تقدير موقف

تحليل الأزمة الديموغرافية في روسيا.. التحديات والسياسات المستقبلية


  • 29 أبريل 2024

شارك الموضوع

تشهد روسيا في السنوات الأخيرة تحديات ديموغرافية متزايدة، تهدد استقرارها الاجتماعي والاقتصادي على المدى الطويل. فمنذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، شهدت البلاد انخفاضًا متواصلًا في معدلات الولادة، وزيادة في معدلات الوفاة؛ مما أدى إلى تدهور تدريجي في توازن السكان. في هذا المقال، سنستكشف تفاصيل هذه الأزمة الديموغرافية في روسيا، بالإضافة إلى التحديات التي تنطوي عليها، والسياسات المستقبلية المحتملة للتصدي لها.

تواجه روسيا تحديات ديموغرافية متعددة، بدءًا من تراجع معدلات الولادة إلى ارتفاع معدلات الوفيات بسبب الحروب المستمرة، من الحرب العالمية الأولى إلى الحرب العالمية الثانية، وتقدم السكان في السن، مما يؤدي إلى تقلص القوة العاملة، وتفاقم التوازن بين الجنسين والمناطق الجغرافية. مع أن بعض السياسات الديموغرافية اتُّخذت في السنوات الأخيرة لمواجهة هذه التحديات، فإنها تواجه صعوبات كبيرة في تحقيق نتائج ملموسة.

في ضوء هذا السياق، يتعين على السلطات الروسية تطوير سياسات جديدة وفعّالة للتصدي لتحديات الأزمة الديموغرافية. يجب أن تركز هذه السياسات على تعزيز التوعية بأهمية الأسرة، ودعمها في مختلف جوانب حياتها، بالإضافة إلى تحفيز الولادة، وتوفير بنية تحتية مناسبة لدعم الأسر، وتعزيز فرص العمل والتعليم للشباب.

تحليل الأزمة الديموغرافية في روسيا.. توقعات التغير والسياق السياسي المستقبلي

قدمت اللجنة الحكومية للإحصاء (روستات) توقعات ديموغرافية متنوعة لروسيا حتى عام 2046، تشير إلى احتمالات متفاوتة للتغير في عدد السكان. في إصدارها الأساسي، الذي طُرح في أكتوبر 2023، تفترض “روستات” انخفاضًا في عدد السكان بمقدار 7.3 مليون شخص خلال الـ22 سنة المقبلة، ليصل إجمالي السكان إلى 138.8 مليون شخص (باستثناء المناطق الجديدة). ومع ذلك، فإن هناك سيناريوهات متفاوتة للتوقعات، حيث تتوقع السلطات انخفاضًا أعمق في السيناريو المتشائم بمقدار 15.4 مليون شخص، في حين تتوقع زيادة في السيناريو المتفائل بمقدار 4.6 مليون شخص.

هذه التوقعات تلقي الضوء على التحديات الديموغرافية الكبيرة التي تواجه روسيا، وتجسد الصورة الواقعية للمستقبل المحتمل للبلاد. إن تقلص عدد السكان، سواء أكان ذلك على نحو متوسط، أم عميق، يعزز الضغوط على النظام الاقتصادي والاجتماعي، ويطرح تحديات جمة أمام الحكومة، والمجتمع بشكل عام.

واحدة من أبرز القضايا التي تثيرها هذه التوقعات هي تأثيرها في هيكل العمر بالبلاد، حيث يُتوقع زيادة مستمرة في نسبة السكان المسنين مقارنة بالسكان الشباب، مما يفرض ضغوطًا إضافية على النظام الصحي، ونظام الضمان الاجتماعي، ويزيد التحديات المتعلقة بالعمالة والاقتصاد.

تتوقع “روستات” أن ينخفض عدد السكان الروسيين خلال الـ23 سنة المقبلة، لكن وتيرة هذا الانخفاض ستتباطأ. خدمة الدولة تلاحظ أن الانخفاض السنوي الطبيعي للسكان سيقل تقريبًا من 600.7 ألف شخص في عام 2023 إلى 402.4 ألف شخص في عام 2045؛ نتيجة زيادة معدل المواليد من 1.25 مليون طفل في عام 2023 إلى 1.43 مليون طفل في عام 2045.

ومع ذلك، يتبين أن الاتجاهات الديموغرافية أسوأ من المتوقع في بداية عام 2020، قبل جائحة فيروس كورونا؛ فتوقعات روستات السابقة في نسختها المتوسطة كانت أن نحو 143 مليون شخص سيعيشون في روسيا بحلول بداية عام 2036، لكن التوقعات الجديدة تشير إلى 141 مليون شخص في الوقت نفسه.

سيشهد عدد المواليد انخفاضًا من عام 2023 إلى عام 2027، حيث سيصل إلى 1.14 مليون في عام 2027، ثم يبدأ في النمو من عام 2028. ومن المتوقع أن يصل معدل المواليد في عام 2045 إلى 1.43 مليون شخص؛ مما يرفع عدد المواليد لكل ألف من السكان إلى 10.3 في عام 2045.

مع أن نمو الهجرة سيكون إيجابيًّا طوال فترة التوقعات، فإنه سيشهد انخفاضًا طفيفًا، حيث يتوقع أن يصل إلى 221.8 ألف شخص في عام 2045، مما يؤدي إلى انخفاض سنوي متوسط في عدد السكان من 367.7 ألف شخص في عام 2023 إلى 180.6 ألف شخص في عام 2045.

بحلول عام 2030، سيشهد عدد سكان روسيا انخفاضًا بمقدار 3.19 مليون شخص مقارنة بعام 2023، ليصل إلى 143.25 مليون شخص.

فيما يتعلق بهيكل السكان، ومتوسط العمر المتوقع، من المتوقع أن يرتفع متوسط العمر المتوقع عند الولادة من 73.1 عام في عام 2023 إلى 75.79 عام بحلول عام 2030، ومن ثم يصل إلى 79.83 عام بحلول عام 2046.

أما نسبة الإناث من السكان فستكون أعلى من الذكور طوال الفترة المستقبلية، ولكن ستنخفض هيمنة النساء على الرجال تدريجيًّا. ومن المتوقع أن ترتفع نسبة السكان فوق سن العمل من 24.5 % في عام 2023 إلى 26.9 % في عام 2045، في حين تنخفض نسبة الأطفال والمراهقين إلى 15.6 % في عام 2045.

مشكلة القيم في المجتمع الروسي

مشكلة القيم هي إحدى المشكلات، وهي أساس المشكلة في الاتحاد الروسي، فمن المعروف أن روسيا في التسعينيات كانت متجهة نحو التقارب مع الغرب، وبعد عام 2022 تغيرت كثير من الأمور التي تخص الملفات السياسية الداخلية الروسية، والتي تخص توجه روسيا؛ فقد اختارت روسيا بعد 2022 التقارب مع الشرق، أو الذهاب نحو الشرق، والابتعاد عن الغرب.

هذا التحول في القيم والسياسات أثر تأثيرًا كبيرًا في الديناميكيات الاجتماعية والثقافية في المجتمع الروسي؛ فقد أثار هذا التغير توترات وانقسامات داخلية، حيث يختلف الناس في رؤاهم ومواقفهم تجاه هذه الاتجاهات الجديدة. بعض الأفراد والجماعات يدعمون التوجه نحو الشرق، في حين يعارض آخرون هذا الاتجاه، ويفضلون البقاء متمسكين بالعلاقات مع الغرب.

انهيار الاتحاد السوفيتي أدى إلى ظهور كثير من المشكلات في الدول السابقة للاتحاد السوفيتي، حيث شهدنا تشكيل قوميات جديدة بعد الانهيار، استنادًا إلى ما كان يُعرف سابقًا بالهوية السوفيتية.

في الاتحاد السوفيتي، كان هناك نهج سياسي واضح متمثل في الاشتراكية، ووحدة الشعوب، ولكن بعد انهياره، شهدت روسيا الجديدة تحولًا نحو إعطاء الأولوية للقومية الروسية. ومع أن الدستور الروسي يكفل المساواة في الحقوق لجميع من يحمل الجنسية الروسية، فإن الواقع يظهر اختلافات في التعامل.

هذه الانقسامات والتحولات في الهوية والقيم تشكل تحديًا كبيرًا للمجتمع الروسي، وللدول السابقة للاتحاد السوفيتي، حيث يمكن أن تؤثر في الاستقرار السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي؛ ومن ثم، يجب على الحكومات والمجتمعات المعنية العمل على بناء جسور الفهم والتواصل، وتعزيز الاندماج والتعاون بين جميع الفئات والمجتمعات؛ بهدف بناء مستقبل مشترك، قائم على الاحترام المتبادل، والتعايش السلمي.

الاستنتاجات

يبدو أن التوقعات الديموغرافية الروسية تشير إلى مرحلة حرجة في مستقبل البلاد، حيث تكشف البيانات عن تحديات متعددة تواجه المجتمع الروسي. من أهم هذه التحديات تقلص عدد السكان نتيجة لانخفاض معدلات الولادة، وارتفاع معدلات الوفيات، وهو ما ينعكس على القوة العاملة، ويزيد الأعباء على نظم الرعاية الصحية، والضمان الاجتماعي. الإجراءات الحكومية الرامية إلى عكس هذه الاتجاهات لم تحقق نجاحًا ملحوظًا حتى الآن؛ ومن ثم يُلح على السلطات الروسية ضرورة تطوير وتنفيذ سياسات ديموغرافية مبتكرة ومستدامة.

تؤكد هذه البيانات  الحاجة الماسة إلى سياسات تدعم الأسرة، وتحفز النمو السكاني، بما يشمل توفير الدعم المالي والاجتماعي للأسر الشابة، وتحسين البنية التحتية الصحية، وتعزيز فرص العمل والتعليم للشباب. من الضروري أيضًا أن تأخذ هذه السياسات في حسبانها الديناميكيات المعقدة للمجتمع الروسي، بما في ذلك التحولات في القيم الثقافية، والسياسية.

إن تغيير الأولويات نحو الشرق بعد عام 2022 يعكس تحولًا في النظام القيمي والسياسي لروسيا؛ مما يسهم في الحوار الداخلي، ويؤثر في العلاقات الخارجية للبلاد. الانقسامات الناتجة عن هذا التحول قد تؤثر في التماسك الاجتماعي، وتشكل تحديات جديدة للهوية الوطنية الروسية. بالنظر إلى التغيرات الكبيرة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي، يظهر التوجه الحالي نحو إعادة تأكيد القومية الروسية، ومواجهة التحديات الجديدة التي تفرضها عولمة العالم، والسياسات الجيوسياسية.

التحديات الديموغرافية تتطلب من روسيا تبني إستراتيجيات متعددة الأبعاد، تعالج كلًا من النمو السكاني، وقضايا الهوية والقيم، مع الحفاظ على استقرارها الاجتماعي، وتعزيز دورها على الساحة العالمية. من الضروري أن تجد روسيا توازنًا بين الحفاظ على تقاليدها وهويتها والتكيف مع التغييرات العالمية والاحتياجات الديموغرافية المتطورة لضمان مستقبل مزدهر لجميع مواطنيها.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.


شارك الموضوع