مقالات المركز

بوتين في الصين.. إعادة تشكيل النظام العالمي


  • 3 يونيو 2024

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: axios.com

في زيارة هي الأولى بعد انتخابه لولاية خامسة، اختتم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين زيارته إلى الصين بتوقيع اتفاقيات متعددة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ. هذه الزيارة ليست مجرد حدث دبلوماسي عادي؛ بل هي جزء من جهد مشترك لتشكيل نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب. تجمع هذه الشراكة بين روسيا والصين بين الأهداف الإستراتيجية والاقتصادية، وتستند إلى تاريخ طويل ومعقد من التعاون بين البلدين، يمتد من حقبة الاتحاد السوفيتي حتى يومنا هذا.

وقع بوتين وشي جين بينغ خلال هذه الزيارة على عشر وثائق مشتركة، منها بيان مشترك يعزز الشراكة الإستراتيجية والتعاون الشامل بين البلدين. تأتي هذه الخطوات في وقت يشهد فيه العالم تغييرات كبيرة على الساحة الدولية، حيث تتزايد التوترات مع الولايات المتحدة وحلفائها. يشير الخبراء إلى أن هذه الشراكة بين موسكو وبكين ليست مجرد رد فعل على السياسات الغربية؛ بل إستراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب.

تعود العلاقات بين روسيا والصين إلى حقبة الاتحاد السوفيتي، حيث كانت الدولتان تتعاونان في كثير من المجالات. خلال الحرب الباردة، كانت الصين والاتحاد السوفيتي حليفين قويين، رغم بعض الفترات من التوتر والصراع. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أعادت روسيا والصين بناء علاقاتهما على أسس جديدة، مستفيدتين من التحولات الاقتصادية والسياسية في كلا البلدين.

في السنوات الأخيرة، شهدت هذه العلاقات تطورًا كبيرًا، خاصة مع التحديات المشتركة التي تواجههما من الولايات المتحدة وحلفائها. تعززت هذه العلاقات على نحو أكبر مع إعلان مشروع “الحزام والطريق” الصيني، الذي يشمل تعاونًا اقتصاديًّا واسع النطاق مع روسيا. يُنظر إلى هذا المشروع على أنه أداة لتعزيز النفوذ الصيني في العالم، وفي الوقت نفس فرصة لروسيا لتطوير بنيتها التحتية، وتعزيز اقتصادها.

تناولت الزيارة الأخيرة بين بوتين وشي جين بينغ كثيرًا من القضايا الدولية، منها الأزمة الأوكرانية، والتوترات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. يشير الخبراء إلى أن روسيا والصين تنسقان مواقفهما على نحو متزايد في هذه القضايا، مما يعكس رغبتهما في تشكيل نظام عالمي جديد يكون أكثر توازنًا، ويعترف بمصالح جميع الدول.

فيما يتعلق بالأزمة الأوكرانية، أكد الجانبان ضرورة حل النزاع بطرق دبلوماسية، مع الاعتراف بمصالح روسيا الأمنية. هذا الموقف يعكس التزام الصين بالحياد من جهة، ودعمها الضمني لروسيا من جهة أخرى؛ إذ ترى الصين أن توسع الناتو في أوروبا هو السبب الرئيس للأزمة، وهو ما يتفق مع الرؤية الروسية.

تأتي هذه الزيارة في ظل تصاعد التوترات بين روسيا والصين من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى. تواجه روسيا والصين ضغوطًا كبيرة من السياسات الأمريكية التي تهدف إلى احتواء نفوذهما. على سبيل المثال، نشر الولايات المتحدة صواريخ متوسطة المدى في الفلبين وجزيرة بورنهولم الدنماركية يعد تحديًا مباشرًا لأمن البلدين؛ وهو ما يدفع موسكو وبكين إلى تعزيز تعاونهما في المجالات العسكرية والدفاعية.

نحو عالم متعدد الأقطاب

من خلال هذه الزيارة، يتضح أن روسيا والصين تسعيان معًا إلى تشكيل نظام عالمي جديد يقوم على تعدد الأقطاب، وإلى إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية العالمية. يعكس هذا التوجه رغبة البلدين في بناء نظام دولي يكون أكثر عدالة وتوازنًا، ويعترف بمصالح جميع الدول دون هيمنة طرف واحد. إن التعاون الوثيق بين روسيا والصين في مختلف المجالات هو خطوة مهمة نحو تحقيق هذا الهدف، ويمثل تحديًا كبيرًا للنظام العالمي الحالي الذي تقوده الولايات المتحدة.

تعزيز التعاون التكنولوجي

تسعى روسيا والصين إلى توسيع التعاون في مجالات التكنولوجيا والابتكار، ومن ذلك تطوير شبكات الجيل الخامس، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، ويهدف هذا التعاون إلى خلق بدائل قوية للتكنولوجيا الغربية، وتعزيز السيادة التكنولوجية للبلدين، ويؤكد بوتين وشي جين بينغ أهمية البحث والتطوير المشترك لتعزيز الابتكار والاستقلالية التقنية.

السياسات البيئية والتنمية المستدامة

اتفق البلدان على تعزيز التعاون في مجال السياسات البيئية، ومكافحة التغير المناخي. يتضمن هذا التعاون تبادل التكنولوجيا الخضراء، وتنفيذ مشروعات الطاقة المتجددة، والحفاظ على التنوع البيولوجي، وتهدف هذه الجهود إلى تحسين البيئة في البلدين، وتعزيز التزامهما باتفاقيات المناخ الدولية، مما يسهم في بناء مستقبل أفضل لكوكب الأرض.

تعزيز الأمن السيبراني

في ظل التهديدات المتزايدة في الفضاء السيبراني، قررت روسيا والصين تعزيز التعاون في مجال الأمن السيبراني. يشمل هذا التعاون تطوير تقنيات حماية البيانات، والتصدي للهجمات السيبرانية، وتأمين البنية التحتية الرقمية، ويُعد هذا التعاون خطوة مهمة لحماية المصالح الإستراتيجية للبلدين في العالم الرقمي.

التبادل الثقافي والتعليمي

في إطار تعزيز الروابط بين شعبي البلدين، تم الاتفاق على توسيع التبادل الثقافي والتعليمي، ويتضمن ذلك برامج تبادل الطلاب والأساتذة، والتعاون بين الجامعات، وتنظيم الفعاليات الثقافية المشتركة، وتهدف هذه المبادرات إلى تعزيز الفهم المتبادل بين الثقافات، وتطوير قادة المستقبل الذين يدعمون الشراكة بين روسيا والصين.

تطوير البنية التحتية

ناقش الزعيمان مشروعات تطوير البنية التحتية المشتركة، بما في ذلك بناء سكك حديدية، وطرق سريعة، وإنشاء موانٍ حديثة، وتحسين شبكة النقل عبر الحدود، وتطوير المناطق الصناعية الخاصة. وتهدف هذه المشروعات إلى تحسين الاتصال بين البلدين، وتعزيز التجارة، ودعم النمو الاقتصادي الإقليمي.

التعاون في مجال الفضاء

اتفق البلدان على تعزيز التعاون في مجال الفضاء، ومن ذلك استكشاف القمر والمريخ، وتطوير تكنولوجيا الأقمار الصناعية، وإنشاء محطات فضائية مشتركة، ويهدف هذا التعاون إلى تعزيز القدرات الفضائية للبلدين، والإسهام في التقدم العلمي والتكنولوجي العالمي.

الدبلوماسية المتعددة الأطراف

سعيًا إلى تعزيز الدبلوماسية المتعددة الأطراف، اتفق البلدان على تنسيق مواقفهما في المحافل الدولية، ودعم جهود الإصلاح في الأمم المتحدة، وتعزيز دور المنظمات الإقليمية. وتهدف هذه الخطوات إلى بناء تحالفات قوية مع الدول النامية والصاعدة، مما يعزز من تأثير روسيا والصين على الساحة الدولية، ويسهم في بناء نظام عالمي أكثر توازنًا.

التعاون الاقتصادي والاستثماري

استعرض الزعيمان خططًا لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري، ومن ذلك إنشاء مناطق اقتصادية خاصة، وتسهيل التجارة والاستثمارات الثنائية، وتطوير مشروعات الطاقة المشتركة. وتهدف هذه الجهود إلى خلق فرص اقتصادية جديدة، وتعزيز الاستقرار المالي، ودعم التنمية المستدامة في البلدين.

الأساس القانوني التعاقدي

الأساس التجاري والاقتصادي للتعاون الروسي- الصيني هو اتفاقية الجوار الطيب والصداقة والتعاون، الموقعة في 16 يوليو (تموز) 2001، التي تصف العلاقات الاقتصادية بين البلدين على أنها “شراكة شاملة متساوية وثقة إستراتيجية” (تم تجديدها لمدة خمس سنوات في يونيو/ حزيران 2021)، وكل أربع سنوات، تُعتمَد خطط عمل لتنفيذ أحكام هذه الوثيقة.

في عام 2023، وفقًا لبيانات الإدارة العامة للجمارك الصينية، ارتفع التبادل التجاري بين البلدين بنسبة 26.3 % مقارنة بالعام السابق، وبلغ 240.11 مليار دولار، وهو رقم قياسي للتعاون بين البلدين على مر الزمن. ارتفع الاستيراد من روسيا إلى الصين في عام 2023 بنسبة 12.7 % ليصل إلى 129.14 مليار دولار، في حين زادت الصادرات من الصين إلى روسيا بنسبة 46.9 %، وبلغت 110.97 مليار دولار. من يناير (كانون الثاني) إلى أبريل (نيسان) 2024، ارتفع حجم التجارة بين الصين وروسيا بنسبة 4.7 % على أساس سنوي، وبلغ 76.58 مليار دولار.

خلال الفترة من يناير (كانون الثاني)  إلى مارس (آذار) 2024، بلغ حجم التجارة بين الصين وروسيا 56.68 مليار دولار، مما يمثل زيادة بنسبة 5.2 ٪ مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفقًا لبيانات الإدارة العامة للجمارك في الصين التي نقلتها وكالة تاس.

في هذا الفترة، ارتفعت صادرات الصين إلى روسيا بنسبة 2.6 ٪ لتصل إلى 24.428 مليار دولار. كما زادت الواردات من روسيا إلى الصين بنسبة 7.3 ٪ لتصل إلى 32.254 مليار دولار. في المقابل، انخفض حجم التجارة بين الصين والولايات المتحدة خلال الفترة نفسها بنسبة 4 ٪ ليصل إلى 150.04 مليار دولار. ارتفع الفائض التجاري لصالح روسيا مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق بنسبة 37.4 ٪ ليصل إلى 7.82 مليار دولار.

بلغ حجم التجارة بين روسيا والصين رقمًا قياسيًا قدره 240.11 مليار دولار في عام 2023، بزيادة قدرها 26.3 ٪. ارتفعت صادرات الصين إلى روسيا بنسبة 46.9 ٪ لتصل إلى نحو 110.97 مليار دولار، كما زادت واردات المنتجات الروسية إلى الصين بنسبة 12.7 ٪ لتصل إلى 129.14 مليار دولار. ومع ذلك، انخفض الفائض التجاري لصالح روسيا في عام 2023 إلى النصف ليصل إلى 18.17 مليار دولار.

في 20 ديسمبر (كانون الأول) 2023، أشار رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين إلى أن روسيا والصين تخلصتا تقريبًا من العملات الأجنبية في التسويات المتبادلة بينهما. كما أكد رئيس الوزراء تعزيز العلاقات التجارية بين البلدين.

الاستثمارات

الآلية الرئيسة للتعاون بين البلدين في مجال الاستثمارات هي اللجنة الحكومية الدولية المشتركة للتعاون الاستثماري. منذ عام 2012، يعمل الصندوق الاستثماري الروسي- الصيني المشترك، الذي تأسس بالتعاون بين الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة ومؤسسة الاستثمار الصينية.

في عام 2018، أُنشئ صندوق التنمية الإقليمي الصيني- الروسي برأس مال مستهدف نحو 750 مليون دولار، وهو يستهدف المشروعات في إطار تكامل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ومبادرة “الحزام والطريق”، والتعاون مع المقاطعات الشمالية الشرقية للصين، ومناطق الشرق الأقصى الروسي.

في عام 2019، أنشأ صندوق الاستثمار المباشر الروسي ومؤسسة الاستثمار الصينية صندوق الاستثمار التكنولوجي الروسي- الصيني برأس مال مستهدف قدره مليار دولار لدعم المشروعات في تطوير التكنولوجيا المتقدمة في القطاعات الرائدة للاقتصاد. في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أُعلن إنشاء صندوق مشترك بين صندوق الاستثمار المباشر الروسي وشركاء من الصين لتطوير صناعة الطيران المدني بقيمة 100 مليار روبل.

وفقًا لبيانات وزارة التنمية الاقتصادية الروسية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، تنفذ روسيا والصين 83 مشروعًا كبيرًا بإجمالي استثمارات تقدر بـ 200 مليار دولار. تشمل هذه الاستثمارات مجموعة واسعة من القطاعات، تشمل المطارات، والمواني، والشركات الزراعية، والبنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات، والرعاية الصحية.

النفط

وفقًا لنتائج عام 2023، ورّدت روسيا 107 ملايين طن من النفط إلى الصين، بزيادة قدرها 24 % مقارنة بعام 2022؛ مما سمح لروسيا بتصدر قائمة الموردين لهذه المادة الأولية إلى الصين. من حيث القيمة، بلغ الاستيراد الصيني للنفط الروسي 60.6 مليار دولار.

تنقل روسيا النفط إلى الصين عبر فرع من خط أنابيب “سيبيريا الشرقية -المحيط الهادئ”، عبر كازاخستان، وعن طريق البحر، خاصة من ميناء كوزمينو في الشرق الأقصى. بُنِيَ فرع من سكوفورودينو (أمور أوبلاست) إلى محطة ضخ النفط الصينية موهي بالقرب من الحدود الروسية، ثم إلى مدينة داتسين (مقاطعة هيلونغجيانغ الشمالية الشرقية) في عام 2011. منح بنك التنمية الصيني “روسنفت” و”ترانسنفت” قرضًا بقيمة 25 مليار دولار لمدة 20 عامًا، مقابل الإمدادات خلال هذه الفترة بـ 300 مليون طن من النفط. بعد الافتتاح في يناير (كانون الثاني) 2018، تضاعفت القدرة الاستيعابية للقسم من 15 مليون طن إلى 30 مليون طن سنويًّا. حتى وقت قريب، كانت الصين تتلقى 7 ملايين طن من النفط الروسي سنويًّا عبر كازاخستان. في فبراير (شباط) 2022، وقعت “روسنفت” والشركة الوطنية الصينية للبترول (CNPC) اتفاقية لزيادة العبور إلى 10 ملايين طن من النفط سنويًّا على مدى 10 سنوات، بقيمة عقد تبلغ 80 مليار دولار.

في ضوء البيانات الأخيرة التي قدمتها وكالة “أوتوستات”، فإن السوق الروسية تشهد تغييرات ملموسة بفضل الزيادة المستمرة في شعبية السيارات الصينية. في عام 2023، دخلت السوق الروسية 19 علامة تجارية صينية جديدة، مما رفع العدد الإجمالي للعلامات الصينية المتاحة في روسيا إلى 29 علامة بحلول نهاية العام.

التوسع في عدد العلامات التجارية الصينية، وزيادة المبيعات يعكسان تحولًا في تفضيلات المستهلكين الروس نحو خيارات أكثر تكلفة وفعالية. تعد السيارات الصينية بديلًا جذابًا عن السيارات الأوروبية واليابانية التقليدية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية التي تفضل البحث عن خيارات أكثر اقتصادية.

الزيادة في الطلب على السيارات الصينية أثرت أيضًا في إستراتيجيات المنافسين من العلامات التجارية الأخرى، حيث بدأت شركات السيارات الأوروبية واليابانية بإعادة تقييم خططها التسويقية وأسعارها للحفاظ على تنافسيتها في السوق الروسية.

تقدم السيارات الصينية، بفضل تقنياتها المتطورة وتصاميمها العصرية، خيارات متنوعة تلبي احتياجات الأسر الروسية، والشباب الباحثين عن سيارات بتقنيات حديثة، وبأسعار معقولة. النماذج الأكثر شعبية، مثل Haval Jolion ، وGeely Coolray، تظهر أن الجودة والأداء يمكن أن يأتيا بسعر معقول، مما يجعل هذه العلامات التجارية منافسًا قويًّا في السوق.

مع استمرار الاهتمام والطلب المتزايد على السيارات الصينية، من المتوقع أن تشهد السوق الروسية تحولات إضافية في السنوات المقبلة. ستحتاج شركات السيارات العالمية إلى تقديم منتجات مبتكرة وتنافسية لمواجهة هذا التحدي الجديد، مما يؤدي إلى تنوع أكبر في خيارات السيارات المتاحة للمستهلكين في روسيا.

الخلاصة

تشكل زيارة بوتين إلى الصين وتوقيع الاتفاقيات مع شي جين بينغ خطوة مهمة نحو بناء نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب. وتعزز الشراكة الإستراتيجية بين البلدين مكانتهما على الساحة الدولية، وتسهم في تحقيق استقلالية اقتصادية وتقنية. ومن خلال التركيز على تطوير البنية التحتية، والتعاون الأمني، والتنمية المستدامة، والتبادل الثقافي، تسعى روسيا والصين إلى تشكيل مستقبل مشترك يقوم على التعاون والشراكة لمواجهة التحديات العالمية، وتحقيق مصالحهما الإستراتيجية.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.


شارك الموضوع