مقالات المركز

باكستان والوساطة متعددة الأطراف في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران


  • 27 مارس 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: samaa.tv

في أواخر فبراير (شباط) 2026، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية مشتركة واسعة النطاق ضد إيران تحت اسم “عملية الغضب الملحمي”، استهدفت برامجها النووية والصاروخية ومراكز قيادتها، مما أدى إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعشرات القادة المدنيين والعسكريين. وتقترب الحرب من شهرها الأول مع تصعيد إيراني في الردود عبر الصواريخ والطائرات المسيرة على أهداف إقليمية في بلدان الخليج العربي والأردن وتركيا وقبرص وأذربيجان، حتى وصلت المعارك إلى تهديدات أمريكية بضرب كل منشآت الطاقة الإيرانية. في هذا السياق الإقليمي المتوتر، برزت باكستان كوسيط رئيسي يسعى لوقف إطلاق النار، مستفيدة من شبكة علاقاتها مع طهران وواشنطن وبلدان الخليج. وقد يشكل هذا الدور تحولًا في الدبلوماسية الباكستانية نحو تعزيز حضورها كقوة إقليمية فاعلة.

باكستان – الوساطة في سياقات معقدة

يستند دور باكستان في الوساطة إلى مزيج من الروابط التاريخية والمصالح الاستراتيجية. فمنذ بدء الحرب، أجرت إسلام آباد اتصالات مكثفة؛ تحدث رئيس أركان الجيش الجنرال عاصم منير مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مباشرة في 22 مارس (آذار)، بينما أجرى رئيس الوزراء شهباز شريف محادثات متكررة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، مؤكدًا التزام باكستان بدور “بنّاء” في تسهيل السلام. كما اقترحت إسلام آباد استضافة قمة في إسلام آباد قد تجمع نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، إلى جانب مبعوثين أمريكيين مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.

لم تقتصر الجهود على القنوات الثنائية؛ بل شاركت باكستان في نقل رسائل خلفية مع تركيا ومصر، حيث أجرى وزراء خارجية الدول الثلاث محادثات منفصلة مع المبعوث الأمريكي ونظيره الإيراني عباس عراقجي. ويمكن الإشارة إلى أسباب بروز باكستان في هذا السياق، منها عدم استهدافها بصواريخ إيرانية (على عكس بلدان الخليج العربي، وحتى الوسطاء التقليديين مثل سلطنة عُمان وقطر)، وعلاقاتها الوثيقة مع طهران (التي تشمل حدودًا مشتركة طولها 990 كيلومترًا وتعاونًا أمنيًا ضد الإرهاب)، فضلًا عن الثقة الشخصية بين منير وترامب. هذه العوامل جعلتها “الوسيط المتاح”، وهو توصيف أدق من وصفها وسيطًا مثاليًا – على عكس سلطنة عُمان التي تقوم منذ عقود بدور الوساطة منفردة – لأنها تحافظ على قنوات مفتوحة مع جميع الأطراف دون أن تكون طرفًا مباشرًا في الصراع.

وتحاول باكستان تعزيز حضورها في قضايا الشرق الأوسط عبر إعادة تعريف نفسها من لاعب جنوب آسيوي يركز على النزاع مع الهند إلى فاعل مركزي في غرب آسيا. وتاريخيًا، اعتمدت باكستان على منظمة التعاون الإسلامي (OIC) للدفاع عن القضية الفلسطينية، لكن الوساطة الحالية ترفع مستوى مشاركتها إلى دبلوماسية نشطة في أزمات الطاقة والأمن الإقليمي. وفي الوقت نفسه، فإن إدانة باكستان لمقتل خامنئي وتقديم التعازي لخلفه مجتبى خامنئي يعززان صورتها كمدافع عن “الأمة الإسلامية”، مما يعمق نفوذها في الخليج ويفتح آفاقًا لشراكات دفاعية جديدة.

كما أن استضافة محتملة لقمة إسلام آباد تعزز دورها كمنصة دبلوماسية، مشابهة لدورها السابق في محادثات أفغانستان، وتسمح لها بتعزيز حضورها في قضايا مثل أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي. وهذا الحضور يعكس تطورًا في السياسة الخارجية الباكستانية نحو “التوازن النشط”، حيث تتجاوز الاعتماد على الصين أو الولايات المتحدة إلى بناء نفوذ مستقل يعتمد على الروابط الإسلامية والجيواستراتيجية.

ولا ينفصل السياق الدولي عن المستويات الأمنية والاقتصادية والسياسية داخل إسلام آباد؛ فالوساطة تشكل سعيًا لمنع امتداد النزاع إلى الحدود الغربية مع إيران، حيث يخشى الباكستانيون تصاعد النشاط المسلح في بلوشستان أو تدفق اللاجئين، خاصة مع وجود أقلية شيعية كبيرة (حوالي 15–20% من السكان) قد تثير توترات طائفية داخلية. كما تعتمد باكستان على واردات النفط والغاز من دول الخليج، وأي اضطراب في مضيق هرمز (الذي يمر عبره 20% من النفط العالمي) يهدد اقتصادها الهش.

لذا، يمثل النجاح في الوساطة ضمانًا لاستقرار أسعار الطاقة وتجنب أزمة اقتصادية. وفي الشق السياسي المعقد جدًا، يعزز هذا الدور مكانة باكستان كقوة إسلامية مستقلة، مما يعيد تأكيد شراكتها الدفاعية مع السعودية (الاتفاق الاستراتيجي المتبادل للدفاع 2025) دون التورط العسكري، ويفتح أبوابًا لدعم أمريكي محتمل في مجالات أخرى مثل مكافحة الإرهاب.

وساطة متعددة الأطراف – تركيا ومصر شركاء

تشترك باكستان مع تركيا ومصر في نقل الرسائل بين واشنطن وطهران، والثلاثي مدفوع بمصلحة مشتركة في وقف النزاع لأسباب اقتصادية وسياسية وأمنية متقاربة. وترتبط باكستان بتركيا عبر روابط عسكرية وإيديولوجية قوية، لكن إسلام آباد أقرب إلى الرياض، بينما تميل أنقرة نحو طهران وقطر أحيانًا. أما مصر، فتتميز بعلاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة والسعودية، مما يجعل تعاونها مع باكستان محددًا بتوافق المصالح الخليجية. لذا يمكن الإشارة إلى عوامل محددة للشراكة الثلاثية تشمل:

أولًا، الرغبة المشتركة في منع انتشار النزاع الطائفي؛

ثانيًا، القدرة على الوصول إلى أطراف مختلفة (باكستان مع إيران مباشرة، تركيا مع إيران وواشنطن، مصر مع الخليج)؛

ثالثًا، الضغوط الاقتصادية المشتركة من ارتفاع أسعار الطاقة.

لكن الاختلافات في التحالفات (كاتفاق الدفاع الباكستاني-السعودي) قد تحد من التنسيق إذا طال النزاع، مما يجعل الوساطة اختبارًا لقدرة الدول الثلاث على بناء تحالف دبلوماسي مؤقت قد يعزز علاقاتها الثنائية على المدى الطويل.

في سياق الوساطة، تحتاج باكستان إلى دعم أنقرة التي تملك آليات دبلوماسية متعددة. وبدأت المبادرات التركية مبكرًا قبل إسلام آباد، حيث عرض أردوغان في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2026 استضافة مفاوضات ثلاثية أو قمة تجمع واشنطن وطهران. وأجرى وزير الخارجية هاكان فيدان جولات مكثفة واتصالات هاتفية منفصلة مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، والمصري بدر عبد العاطي، والأوروبيين، بالإضافة إلى مسؤولين أمريكيين. كما شاركت تركيا في نقل رسائل خلفية ضمن “لجنة اتصال” غير رسمية مع باكستان ومصر، وتركز على صياغة هدنة مؤقتة مدتها 30 يومًا كمدخل لتنفيذ نقاط المقترح الأمريكي الـ15. وأكد فيدان مرارًا أن إسرائيل هي “الطرف الرئيسي المسؤول” عن التصعيد، مع نقل “نصائح ودية” إلى طهران بعدم توسيع النزاع إلى المنطقة، وتحذيرها من استهداف دول خليجية.

ويشكل دور باكستان في “الوساطة الثلاثية” أهمية خاصة لكل من تركيا ومصر في قضايا الشرق الأوسط، محولًا إياهما إلى فاعلين مركزيين في الأزمات الإقليمية. فالقاهرة تعزز الوساطة مكانتها كوسيط موثوق ومحايد نسبيًا، مستفيدة من علاقاتها الوثيقة مع الخليج والولايات المتحدة، ويفتح ذلك آفاقًا لتعاون مستقبلي في أمن الطاقة والاقتصاد. أما تركيا، فيرفع دورها كقوة دبلوماسية نشطة مع تعزيز نفوذها في العالم الإسلامي وتوازن علاقاتها مع الناتو. ولهذا، تكمل باكستان الشراكة الثنائية المصرية-التركية كنقطة التقاء، عبر قيامها بدور “الوسيط المباشر”، مما يحول إسلام آباد إلى “منصة دبلوماسية” قادرة على لعب دور من خلال “تحالفات مؤقتة” قائمة على المصالح العملية بدلًا من الإيديولوجيا.

وعلى الهامش، ولكن في ذات السياق، تسمح الوساطة الثلاثية بحماية علاقات باكستان مع الصين، حيث يمثل التعاون الثلاثي رافعة لـ”التوازن المتعدد”، إذ يسمح لإسلام آباد بتحسين قنواتها مع واشنطن دون إضعاف “الشراكة الحديدية” مع بكين. ويستفيد الجانب الصيني من أي تهدئة تحمي ممر الصين-باكستان الاقتصادي (CPEC) ومصالحها في الطاقة.

الخاتمة – وساطة تبقي كل الاحتمالات مفتوحة

في ظل الجهود الدبلوماسية المكثفة التي تقودها باكستان بالشراكة مع تركيا ومصر لإنهاء الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران، يبقى مستقبل المفاوضات معلقًا بين احتمالات النجاح والفشل، مع أن الواقع الحالي يميل نحو استمرار الوساطة متعددة الأطراف دون حل فوري. وقد نقلت إسلام آباد الخطة الأمريكية المكونة من 15 نقطة إلى طهران، وشاركت أنقرة والقاهرة في نقل الرسائل وصياغة ضمانات إضافية، غير أن رفض إيران الأولي للخطة بوصفها “غير معقولة”، مع إصدارها مطالب مضادة تشمل تعويضات وتأكيد سيادتها على مضيق هرمز، يضع الوساطة أمام اختبار حقيقي.

ويعتمد النجاح على قدرة الوسطاء الثلاثة على تحويل هذه الرسائل إلى هدنة مؤقتة مدتها 30 يومًا، تليها مفاوضات مباشرة محتملة في إسلام آباد أو أنقرة، مدعومة بضغوط خليجية واقتصادية عالمية ناتجة عن اضطراب أسعار الطاقة. وإذا نجحت المفاوضات – ولو جزئيًا – فإن ذلك سيمثل نقلة نوعية في الدبلوماسية الإقليمية، تعزز مكانة باكستان كوسيط مهم في قضايا الشرق الأوسط.

في المقابل، يحمل فشل المفاوضات – أو تحولها إلى مفاوضات طويلة الأمد – مخاطر جسيمة ليس فقط على الوسطاء، بل على المنطقة بأسرها. وقد يؤدي استمرار التصعيد إلى امتداد النزاع إلى منشآت الطاقة الإقليمية، لاسيما في منطقة الخليج (وقد هددت إيران بالفعل باستهداف أوسع بعدما ركزت على مراكز الطاقة في عدة بلدان خليجية، أبرزها قطر، وتسببت في خسائر فادحة في وحدات إسالة الغاز)، مما يفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية ويهدد اقتصادات باكستان وتركيا ومصر الهشة بارتفاع أسعار الطاقة وتدفق اللاجئين. وقد يزيد الفشل من احتمال تصاعد النشاط الإرهابي في بلوشستان أو التوترات الطائفية الداخلية في باكستان خصوصًا. في النهاية، سواء أسفرت المفاوضات عن نجاح كامل أو هدنة مؤقتة أو استمرار الصراع، فإن هذه الوساطة متعددة الأطراف تمثل تحولًا استراتيجيًا في سياسة باكستان الخارجية كمنصة دبلوماسية إقليمية، شريطة أن تحافظ على حيادها ونجاحها في التنسيق مع شركائها، سواء مصر وتركيا أو الخليج العربي.

ما ورد في التقرير يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع