تاريخ

انقلاب أغسطس 1991.. ثلاثة أيام كسرت المركز السوفيتي وأعادت تشكيل روسيا إلى الأبد!


  • 18 أغسطس 2026

شارك الموضوع

في صباح 19 أغسطس (آب) 1991، استيقظ الاتحاد السوفيتي على دبابات في شوارع موسكو، وعلى بيان إذاعي وتلفزيوني يعلن أن الرئيس ميخائيل غورباتشوف عاجز عن ممارسة مهامه لأسباب صحية، وأن لجنة الدولة لحالة الطوارئ تولت إدارة البلاد. طوال ساعات طويلة، لم يقدم التلفزيون الرسمي غير عروض متكررة لباليه بحيرة البجع، بينما انتشرت وحدات عسكرية حول المؤسسات السيادية. وفي المقابل، وقف بوريس يلتسين فوق دبابة تابعة لفرقة تامان أمام مبنى البرلمان الروسي، ووصف ما يجري بالانقلاب غير الدستوري، ودعا إلى إضراب عام.

هذا المشهد المزدوج، دبابات بلا قيادة سياسية موحدة من جهة، ومقاومة برلمانية متصاعدة من جهة أخرى، يختصر طبيعة الأزمة أكثر مما تختصرها الصورة الشائعة عن انتصار ديمقراطية شابة على نظام شمولي متهالك. فما وقع كان صراعًا داخل بنية الدولة السوفيتية نفسها: بين مشروع غورباتشوف الإصلاحي المتعثر، وصعود يلتسين بوصفه مركز سلطة بديلًا داخل الجمهورية الروسية، ومحاولة جناح محافظ في الحزب والجيش والاستخبارات إنقاذ الاتحاد بالقوة، وسط حركات قومية متصاعدة في الجمهوريات.

والإشكالية المركزية هنا مزدوجة. هل كانت المحاولة دفاعًا أخيرًا عن الدولة السوفيتية أم الضربة التي عجلت انهيارها؟ وهل انتصر يلتسين فعلًا دفاعًا عن الديمقراطية، أم أن الحدث نقل مركز الشرعية من الاتحاد إلى الجمهورية الروسية ومهد لنظام رئاسي أكثر مركزية لاحقًا؟

الاتحاد السوفيتي عشية الانقلاب

بين 1985 و1991، حاول غورباتشوف، عبر البيريسترويكا، إعادة هيكلة الاقتصاد المخطط، وعبر الغلاسنوست فتح المجال الإعلامي والسياسي. النتيجة كانت مزدوجة الحدين: تراجعت الرقابة على النقاش العام، فيما تفاقمت أزمة السلع والتضخم المكبوت، وتصدعت سلطة الحزب الشيوعي من الداخل بعد إلغاء احتكاره الدستوري للسلطة عام 1990. وتصاعدت حركات قومية وسيادية متفاوتة القوة في البلطيق والقوقاز وآسيا الوسطى وأوكرانيا، فأعلنت جمهوريات البلطيق الثلاث استقلالها فعليًا أو شرعت في طريقه قبل الانقلاب بوقت طويل.

الإصلاح، إذن، لم يكن سياسة فاشلة فحسب، بل عملية حولت إضعاف المركز إلى نتيجة بنيوية: كلما فتحت المؤسسات مجالًا للتعبير، خسر المركز أدوات الضبط التقليدية من دون أن تنضج بدائل كافية. من هنا، شعر جزء من النخبة الحزبية والعسكرية والأمنية بأن الدولة تنزلق نحو التفكك، وأن نافذة التدخل توشك على الإغلاق.

معاهدة الاتحاد الجديدة والخوف من فقدان الدولة

في 17 مارس (آذار) 1991، جرى استفتاء حول مصير الاتحاد، صوت فيه 76.4 في المئة من المشاركين لصالح اتحاد مجدد، لكن ست جمهوريات، هي جمهوريات البلطيق الثلاث وجورجيا ومولدوفا وأرمينيا، قاطعته أو كانت قد أعلنت استقلالها. تأييد واسع لاتحاد ما، مقابل رفض متصاعد لصيغته القائمة في عدد من الجمهوريات.

على أثره، افتتح غورباتشوف، بين أبريل (نيسان) ويوليو (تموز) 1991، مفاوضات نوفو أوغاريوفو مع رؤساء تسع جمهوريات على صيغة اتحاد أكثر مرونة تمنح الجمهوريات صلاحيات واسعة، على أن يبدأ توقيعها على مراحل من 20 أغسطس (آب) 1991. وهنا كمن جوهر الخطر بنظر المحافظين: لم يروا فيها إصلاحًا، بل تفكيكًا مؤجلًا للدولة المركزية، بينما رآها غورباتشوف الفرصة الأخيرة لإنقاذ اتحاد ما، ولو منقوصًا، فيما رأى فيها يلتسين بوابة لتحويل الجمهورية الروسية إلى مركز الثقل الفعلي. ثلاثة تصورات متعارضة اجتمعت على طاولة واحدة قبل يوم من الانقلاب.

من صنع محاولة الانقلاب؟

تشكلت اللجنة من ثمانية أعضاء توزعوا على ثلاث دوائر متداخلة. دائرة القوة الأمنية والعسكرية: فلاديمير كريوتشكوف، رئيس الكي جي بي، الذي وصف لاحقًا بمهندس الفكرة الرئيسي، ودميتري يازوف، وزير الدفاع المسؤول عن تحريك الوحدات، وبوريس بوغو، وزير الداخلية. دائرة رأس الدولة الشكلي: غينادي ياناييف، نائب الرئيس، الذي وقع مساء 18 أغسطس (آب) مرسومًا يتولى بموجبه صلاحيات الرئاسة بحجة مرض غورباتشوف، وفالنتين بافلوف، رئيس الوزراء. ودائرة المصالح الاقتصادية والزراعية: أوليغ باكلانوف، النائب الأول لرئيس مجلس الدفاع والمسؤول عن الصناعات الدفاعية، وفاسيلي ستارودوبتسيف، رئيس اتحاد الفلاحين، وألكسندر تيزياكوف، ممثل رابطة المنشآت الصناعية الحكومية.

خارج العضوية الرسمية، شارك في التخطيط اللواء فالنتين فارينيكوف، ورئيس مجلس السوفيات الأعلى أناتولي لوكيانوف، ويوري بليخانوف، رئيس جهاز حماية الرئيس، وأوليغ شينين من الأمانة العامة للحزب، وجميعهم حوكموا لاحقًا كمتهمين. هذا التوزع يظهر أن اللجنة كانت قوية مؤسسيًا، فقد جمعت رؤساء الاستخبارات والدفاع والداخلية والحكومة، لكنها افتقرت إلى قيادة سياسية موحدة وخطة تنفيذية لما بعد السيطرة، وهو ما ظهر في مؤتمرها الصحفي الأول حين ارتجفت يدا ياناييف أمام الكاميرات. تحولت اللقطة إلى رمز شعبي لضعف قيادة الانقلاب، لكن اختزال الفشل فيها يتجاهل أن الأزمة الحقيقية كانت في غياب الحسم داخل الجيش والاستخبارات، لا في مظهر رجل واحد.

عزل غورباتشوف في فوروس

في 18 أغسطس (آب)، وصل إلى مقر إقامة غورباتشوف الصيفي في فوروس بشبه جزيرة القرم وفد ضم باكلانوف وشينين وفارينيكوف وفاليري بولدين، رئيس ديوانه، بينما تولى بليخانوف تأمين العزل. في الساعة 16:32، قطعت جميع خطوط الاتصال بالدتشا، بما فيها قناة السيطرة على القوات النووية الاستراتيجية. رفض غورباتشوف، بحسب روايته، توقيع مرسوم الطوارئ، ووصف ما عرض عليه بالمغامرة الإجرامية. وفجر 19 أغسطس (آب)، طوق فوج سيفاستوبول التابع للكي جي بي الدتشا برًا وبحرًا.

هذه الوقائع موثقة نسبيًا، أما مدى معرفته المسبقة بالتحرك ومدى شمول عزله فيبقى مختلفًا عليه، فقد أشارت روايات لاحقة إلى أنه احتفظ بجهاز اتصال بدائي لم يكتشفه الحراس. لا تحسم الوثائق هذه النقطة، وتبقى شهادته وشهادات أعضاء اللجنة ومذكرات الحراس مصادر متعارضة أكثر منها متكاملة.

موسكو، الدبابات، والبيت الأبيض

دخلت موسكو فجر 19 أغسطس (آب) نحو أربعة آلاف عسكري، وما يقارب 362 دبابة و427 مدرعة، من فرقتي تامان وكانتيمير ووحدات مظلية من تولا وريازان وكوستروما، لتطويق المباني السيادية ومحطة التلفزيون. وقع مركز المقاومة عند البرلمان الروسي المعروف بالبيت الأبيض، حيث أصدر يلتسين وسيلايف، رئيس وزراء روسيا، وحسبولاتوف، القائم بأعمال رئيس البرلمان، بيانًا مشتركًا وصف ما يجري بانقلاب يميني رجعي غير دستوري، وطالب بعودة غورباتشوف وإمكان مخاطبته الشعب، ودعا العسكريين إلى عدم المشاركة والعمال إلى إضراب عام مفتوح.

صورة يلتسين فوق الدبابة صنعت شرعيته داخليًا وخارجيًا، لكنها لا تختصر وحدها حجم المقاومة الفعلية التي شكلها عشرات الآلاف من المواطنين والنواب الذين أقاموا الحواجز حول المبنى، بينهم نائب الرئيس الروسي ألكسندر روتسكوي. وبحسب شهادات لاحقة، كان يلتسين حذرًا من دفع الأمور نحو سفك دماء، وفضل عدم استفزاز القوات المحيطة مباشرة خلال الساعات الأولى.

الجيش والاستخبارات وفشل الحسم

القوة العسكرية المحيطة بموسكو كانت كافية نظريًا للسيطرة على المدينة خلال ساعات، لكنها لم تتحول إلى حسم، لأن القيادات الميدانية اختلفت في تقدير الموقف وتخوفت من كلفة لا رجعة فيها. رفض قائد وحدة ألفا التابعة للكي جي بي، فيكتور كاربوخين، تنفيذ خطة اقتحام البيت الأبيض المقررة فجر 21 أغسطس (آب) من دون أمر خطي، مستحضرًا سابقة فيلنيوس في يناير (كانون الثاني) من العام نفسه، حين عرض على الضباط أمر رئاسي مكتوب قبل اقتحام مركز التلفزيون. وبحسب مذكرات مسؤولين أمنيين، تردد كريوتشكوف في إصدار الأمر النهائي، فيما ظل موقف الجنرال بافل غراتشوف، قائد القوات المحمولة جوًا، مزدوجًا، فقد حافظ على اتصال بيازوف وبيلتسين معًا، وهي مسألة تختلف رواياتها بين من يصفها مناورة محسوبة ومن يصفها تذبذبًا فعليًا.

الحسم الفعلي جاء من داخل المؤسسة العسكرية. في الساعة الثالثة فجر 21 أغسطس (آب)، اقترح يفغيني شابوشنيكوف، قائد سلاح الجو، على يازوف سحب القوات وإعلان اللجنة غير شرعية، وأيده في اجتماع هيئة وزارة الدفاع قائدا البحرية وقوات الصواريخ الاستراتيجية. وافق يازوف على السحب فقط، وبدأت الوحدات مغادرة العاصمة قرابة السابعة وواحد وأربعين دقيقة صباحًا. فشل الانقلاب، إذن، لم يكن غياب قوة، بل غياب وحدة قيادة وشرعية كافية لدفع ضباط ميدانيين إلى إطلاق النار على مواطنين عزل.

ليلة الدم وانهيار المحاولة

في ليلة 20 إلى 21 أغسطس (آب)، وقع اشتباك داخل نفق على الطريق الدائري قرب البيت الأبيض بين متظاهرين ورتل مدرع، سقط خلاله ثلاثة قتلى هم ديمتري كومار وفلاديمير أوسوف وإيليا كريتشيفسكي، وهم ضحايا المواجهة المباشرة. رفع سقوطهم كلفة أي اقتحام لاحق وسط تغطية دولية مباشرة، وزاد تردد القيادة العسكرية والأمنية.

مع انسحاب القوات صباح 21 أغسطس (آب)، تفككت اللجنة عمليًا. توجه روتسكوي وسيلايف بالطائرة إلى فوروس لاستعادة غورباتشوف، ومساء اليوم نفسه ألغى يلتسين قرارات اللجنة، وهبطت طائرة العودة في فنوكوفو الثاني قرابة الواحدة والنصف فجر 22 أغسطس (آب). اعتقل ياناييف وكريوتشكوف ويازوف وتيزياكوف في اليوم نفسه، واحتجز بافلوف وباكلانوف وستارودوبتسيف في 23 أغسطس (آب). وفي 22 أغسطس (آب)، لدى وصول من كلفوا باعتقاله، أطلق بوغو النار على زوجته ثم على نفسه، تاركًا رسالة قال فيها إنه وثق بالناس أكثر مما ينبغي. وفي 24 أغسطس (آب)، عثر على المارشال سيرغي أخرومييف، مستشار الرئيس السوفيتي للشؤون العسكرية، مشنوقًا في مكتبه بالكرملين، في وفاة سجلت رسميًا انتحارًا شكك فيها بعض المقربين منه من دون دليل حاسم.

المنتصر الحقيقي بين غورباتشوف ويلتسين

عاد غورباتشوف إلى موسكو رئيسًا للاتحاد شكليًا، لكنه عاد إلى دولة لم تعد أدواتها بيده. في 23 أغسطس (آب)، وقع يلتسين، أمام غورباتشوف مباشرة خلال جلسة البرلمان الروسي، مرسوم تعليق نشاط الحزب الشيوعي الروسي بحجة دعم فروعه للانقلاب، وفرض عليه قراءة قائمة الوزراء الذين أسندوه أمام النواب، في مشهد كشف إلى أين انتقل مركز القرار. في اليوم التالي، استقال غورباتشوف من الأمانة العامة للحزب، وفي 29 أغسطس (آب)، صوت السوفيات الأعلى نفسه، رغم أغلبيته الشيوعية، على تعليق نشاط الحزب في عموم البلاد.

من هذه اللحظة، تسارع المسار: استقلال متتابع للجمهوريات، وعلى رأسها أوكرانيا، ثم اجتماع فيسكولي في بيلاروسيا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 1991، حين أعلن يلتسين وشوشكيفيتش وكرافتشوك أن الاتحاد السوفيتي زال كواقع جيوسياسي وقانوني، وتأسست بدلًا منه كومنولث الدول المستقلة. استقال غورباتشوف في 25 ديسمبر (كانون الأول)، وأنزل العلم السوفيتي عن الكرملين ليرفع بدلًا منه علم روسيا الاتحادية.

الملفات الثقيلة وغير المحسومة

تبقى مسائل عدة موضع خلاف تاريخي حقيقي لا يجوز حسمها من موقع اليقين: مدى علم غورباتشوف المسبق بالتحرك، حيث تتقاطع شهادات تلمح إلى تواطؤ ضمني مع نفيه القاطع، من دون دليل حاسم في أي من الاتجاهين؛ سبب عدم اعتقال يلتسين في الساعات الأولى، بين من يصفه فشلًا تنسيقيًا داخل الكي جي بي ومن يراه تراخيًا مقصودًا؛ حجم استعداد وحدة ألفا الفعلي لاقتحام البيت الأبيض لو صدر أمر خطي؛ مدى التنسيق السري بين مقربين من يلتسين وضباط الجيش قبل ليلة الحسم؛ وموقف الإدارة الأمريكية التي تابعت الساعات الأولى بحذر قبل أن تدين الانقلاب بوضوح. عادت الذاكرة السياسية الروسية إلى تفسير هذه الملفات أكثر من مرة تبعًا لتحولات لاحقة، وهذا سبب إضافي لعدم تحويل أي رواية منفردة إلى حقيقة نهائية.

أهمية الحدث لمستقبل روسيا

مهد فشل الانقلاب لحل الحزب الشيوعي، وتفكك الاتحاد، وصعود يلتسين إلى قمة سلطة لا ينازعه فيها أحد، ثم الانتقال الاقتصادي الصادم في التسعينيات. وارتبط لاحقًا بأزمة أكتوبر (تشرين الأول) 1993، حين تحول صراع الصلاحيات بين الرئاسة والبرلمان إلى مواجهة مسلحة حول المبنى نفسه الذي دافع عنه يلتسين عام 1991، لينتهي هذه المرة بقصفه بأمر منه. التجربتان رسختا خوفًا عميقًا من انهيار الدولة، وحذرًا من التحولات المفاجئة، ودورًا متجددًا للأجهزة الأمنية في قلب الحياة السياسية، وميلًا نحو نظام رئاسي مركزي كضمانة ضد تكرار المشهد.

وتستخدم الذاكرة الروسية المعاصرة الحدث بروايتين متعارضتين: واحدة تقدمه انتصارًا مجتمعيًا على حكم متكلس، وأخرى تقدمه بداية فوضى كلفت البلاد مكانتها. وتبدل ميزان الروايتين بمرور الوقت: بينما حمل نحو 70 في المئة من الروس أعضاء اللجنة مسؤولية الانقلاب في استطلاعات منتصف التسعينيات، لم تتجاوز النسبة 10 في المئة في استطلاعات الذكرى الثلاثين عام 2021. هذا التحول وحده مؤشر على أن معركة تفسير أغسطس (آب) 1991 لم تحسم، وأنها تتغذى من نظرة الروس الراهنة إلى الاستقرار والسيادة والغرب أكثر مما تتغذى من وقائع 1991.

السيناريو التاريخي المضاد.. ماذا لو نجحت اللجنة؟

يفترض احتمال أول عودة مؤقتة لسيطرة المركز وتأجيل التفكك بضع سنوات من دون حل الأزمة البنيوية التي أنتجت الانقلاب أصلًا. ويفترض ثان اندلاع مقاومة أوسع، ربما مسلحة جزئيًا، بين المركز وجمهوريات رفضت الرضوخ، وخصوصًا في البلطيق. ويفترض ثالث نجاحًا عسكريًا أوليًا يعقبه انهيار أكثر عنفًا، لأن السيطرة بالقوة لم تكن لتحل أزمة السلع ولا عبء الإنفاق الدفاعي ولا المطالب القومية المتراكمة. والمؤكد وحده أن نجاح السيطرة الأمنية لا يعني تلقائيًا القدرة على إعادة بناء شرعية سياسية أو إصلاح اقتصاد منهار.

الاستنتاجات

فشل انقلاب أغسطس (آب) عسكريًا وسياسيًا خلال ثلاثة أيام فقط، لكنه نجح من حيث لم يرد منظموه في تدمير ما تبقى من هيبة المركز السوفيتي وتسريع انهيار الاتحاد بدل إنقاذه. نجا غورباتشوف من الاعتقال، لكنه خسر الدولة التي عاد رئيسًا لها شكليًا فقط، فيما دافع يلتسين عن مؤسسات روسية منتخبة قبل أن يحول انتصاره سريعًا إلى مركز سلطة جديد ابتلع صلاحيات الاتحاد نفسه. أما المحافظون الذين تحركوا لإنقاذ الدولة المركزية، فقد منحوا بمحاولتهم الفاشلة الجمهوريات المبرر السياسي والأخلاقي الذي كانت تنتظره لتسريع استقلالها.

هل كانت المحاولة دفاعًا أخيرًا أم ضربة عجلت الانهيار؟ الوقائع تدعم القراءة الثانية أكثر من الأولى: الانقلاب لم يوقف أيًا من مسارات التفكك التي كان يخشاها، بل اختصر زمنها من سنوات محتملة إلى أشهر قليلة. وهل انتصر يلتسين دفاعًا عن الديمقراطية فحسب؟ جزئيًا فقط، فقد كان انتصاره أيضًا انتقالًا لمركز الشرعية من الاتحاد إلى الجمهورية، ومقدمة لنظام رئاسي روسي سيصبح لاحقًا أكثر مركزية لا أقل.

أهمية أغسطس (آب) 1991، إذن، لا تكمن فقط في سقوط نظام قديم، بل في تأسيس مخاوف كبرى ما زالت تحكم السياسة الروسية حتى اليوم: الخوف من تفكك الدولة، وهشاشة المركز أمام صراع النخب، وقلق دائم من التدخل الخارجي والفوضى الاقتصادية، وذاكرة حية عن انقلاب حاول أصحابه إنقاذ المؤسسة من داخلها فسرعوا نهايتها. في أغسطس (آب) 1991، لم تسقط محاولة انقلاب فحسب، بل سقطت معها آخر قدرة للاتحاد السوفيتي على إقناع مواطنيه ونخبه وجمهورياته بأنه ما زال دولة قابلة للاستمرار.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع