أبحاث ودراسات

انتخابات رئاسة إيران ما بعد رئيسي.. تطلعات وآمال


  • 4 يونيو 2024

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: thesun.my

بدأت عملية انتخاب رئيس جديد لإيران بعد وفاة إبراهيم رئيسي في حادثة المروحية في 19 مايو (أيار) الماضي، تنتهي يوم 28 يونيو (حزيران) بإجراء الانتخابات. وتستعد إيران لانتخاب الرئيس التاسع لها بعدما أكمل 5 رؤساء لإيران دورتهم الدستورية (علي خامنئي، وهاشمي رفسنجاني، ومحمد خاتمي، ومحمود أحمدي نجاد، وحسن روحاني)، وعدم اكتمال دورات 3 آخرين لسبب أو لآخر (أبو الحسن بني صدر “عُزل من منصبه”، محمد علي رجائي “اغتيل”، إبراهيم رئيسي “توفي”).

وتختلف هذه الانتخابات التي تعقد في أعقاب الوفاة المفاجئة لإبراهيم رئيسي، عن الانتخابات الرئاسية السابقة من حيث المشاركة. كما تعقد في ظروف شهدت مشاركة شعبية تناهز الـ40 % منذ 3 أشهر في انتخابات الدورة الثانية عشرة للبرلمان. وحتى إذا تشكلت أجواء تنافسية في الانتخابات المقبلة، فمن المستبعد بنسبة كبيرة أن يرتفع هذا الرقم ارتفاعًا لافتًا، وفي أفضل حالة قد يشارك ما بين 50 و60 % ممن يحق لهم التصويت؛ ومن ثمَّ فهذه الانتخابات لن تشبه الانتخابات السابقة منذ 1997- 2023. وهذه المشاركة تشترط أن تجرى الانتخابات في ظروف مختلفة تمامًا عن انتخابات 2021 الرئاسية، بما يعني أن يصادق مجلس صيانة الدستور على أهلية مزيد من المرشحين بمختلف التوجهات السياسية.

ظروف مختلفة

تجرى الانتخابات الرئاسية في ظروف تغيَّرت فيها المعادلات بالمقارنة بانتخابات 2021، حيث كان إطارها العام خاصًا بأحد حلول قضية خلافة القائد الأعلى الحاكم؛ ولذلك كان الهدف انتخاب رئيسي رئيسًا للبلاد بدون مغامرة ومخاطرة، لهذا رفُضت أهلية أشخاص مثل علي لاريجاني، وانسحب سعيد جليلي. وبوفاة رئيسي توقف هذا الحل مؤقتًا (خلافة خامنئي)؛ لذلك فالعوامل التي أدت إلى رفض الأهليات الواسع للمرشحين، انقضت ليست فقط فيما يخص لاريجاني، وإنما لكثير من الشخصيات الأخرى.

كما يحاول التيار الأصولي المتشدد أن يجعل من رئيسي بطلًا، ويعظم من سيرته ليتخذه مسارًا يُنتخب على أساسه مرشحو التيار نفسه، ليضع الطرف الآخر في موقع دفاعي مضاد. وعمد هذا التيار إلى نشر “إنجازات حكومة رئيسي” على مختلف الأصعدة، ورفع شعارات استكمال طريق “شهيد الخدمة”، ليجعل الحكومة المقبلة امتدادًا لحكومة رئيسي؛ ولهذا نشهد تكهنات وترشيحات لمسؤولين في الحكومة الحالية بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية (محمد مهدي إسماعيلي، ومهرداد بذرباش، وسعيد جليلي).

أما التيار الإصلاحي، ممثلًا في جبهة الإصلاح، فاستقر على المشاركة “المشروطة” في الانتخابات الرئاسية حال تأييد صيانة الدستور أهلية مرشح واحد بحد أدنى للجبهة، معددًا الآليات المختلفة للاستقرار على مرشح نهائي حال تجاوُز عدد من المرشحين لمرحلة صيانة الدستور. وتهدف هذه المحاولة لدفع القاعدة الانتخابية للإصلاحيين إلى المشاركة في الانتخابات؛ لأن تجربة انتخابات البرلمان السابقة، وانتخابات البلديات في 2021، أثبتت أن المتشددين يجدون طريقهم كلما امتنعت الطبقة الوسطى عن التصويت في الانتخابات، ولا مؤشرات حقيقية بشأن رغبة هذه الطبقة في المشاركة الانتخابية، أو استماعها إلى كلمات قادة التيار الإصلاحي، مثل محمد خاتمي.

الحال أن مجلس صيانة الدستور كلما قلَّ تدخله، وترك فسحة لتشكل منافسات أكثر جدية وتنوعًا؛ شهدت إيران انتخابات مرتفعة المشاركة الشعبية؛ ولذلك تعود إيران إلى مرحلة عام 2013، حيث القضية الرئيسة الانتخاب بين برنامجين متعارضين للتيارين داخل النظام بشأن “الاندماج في الاقتصاد العالمي”، ولهذا الاندماج برنامجان كليَّان؛ الاندماج التقليدي، وهو القبول بقواعد النظام الدولي، والاصطفاف مع الغرب، والاستحواذ على حصة من الاقتصاد العالمي. أمَّا الثاني فهو الاندماج غير التقليدي، من خلال “اقتصاد المقاومة” إجمالًا، ولكلا البرنامجين مجموعته المنتفعة منه داخل النظام. ويمثل المجموعة الأولى حسن روحاني وعلي لاريجاني، فيما يمثل سعيد جليلي المجموعة الثانية.

تحديات الإصلاحيين

أمام الإصلاحيين والمعتدلين تحديات في هذه الانتخابات إلى جانب مجلس صيانة الدستور؛

أولًا: كيف بمقدورهم إعادة جذب الطبقات الرمادية في المجتمع، لا سيما النساء، للمشاركة في الانتخابات.

ثانيًا: الاحتمالية المتزايدة لعودة دونالد ترمب مجددًا إلى البيت الأبيض، وما يمكن أن يحدث للمرشح الفائز مثلما حلَّ بحكومة روحاني الثانية؟

الكتلة الانتخابية للأصوليين

سنواجه في الانتخابات الرئاسية المقبلة 3 تيارات مهمة وقوية داخل الأصوليين، وتحالفها أو تعارضها يمكن أن يؤثر في الوحدة بين التيارات الأصولية؛ التيار الأوَّل يمثله سعيد جليلي، ويؤمن بخطاب محمود أحمدي نجاد. التيار الثاني يتعلق بالحلقة الثانية المقربة من إبراهيم رئيسي وعائلته. أمَّا التيار الثالث فهو أصوليو مجلس تحالف قوى الثورة، الذي يعارضه التياران السابقان، لكنَّ لديه أنصارًا جديين داخل نظام السلطة.

وسيكون لكل من هذه التيارات مرشحها الخاص، وفي حال لم يتقدم أي منها بمرشح، فهذا يعني ضمنيًّا تحالفه مع أحد التيارين الآخرين.

وسيتنافس ممثلو التيارات الثلاثة على جذب الكتل التصويتية المختلفة، ولا سيما القاعدة الشعبية للأصوليين. ويصل حجم الكتلة التصويتية للأصوليين إجمالًا إلى 21 مليون صوت بناءً على نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2021؛ إذ بلغت أصوات رئيسي 18 مليونًا، فضلًا عن أصوات أمير قاضي زاده هاشمي التي تناهز المليون صوت، وأصوات محسن رضائي (3 ملايين و400 ألف صوت).

هذه القاعدة الانتخابية توحَّدت عام 2009، وتشتت عام 2013، ثم توحدت ثانية عام 2017، لكنها لم تتمكن من منافسة الـ24 مليون صوت لروحاني، وفي النهاية أوصلت رئيسي إلى السلطة في غياب المنافسين الجادين، وفي اتحاد ثانيةً.

توقعات المشاركة

لا يزال هاجس النظام الإيراني هو نسبة المشاركة المتدنية في ظل المشاركة التي لم تتجاوز حاجز الـ40 % في الدورتين الانتخابيتين للبرلمان 2020 و2024، وانتخابات الرئاسة في 2021.

وكشف استطلاعان للرأي من جهتين مختلفتين عن إقبال شعبي على الانتخابات في حدود الـ54 %، إذ قدَّر مركز “شناخت” لاستطلاعات الرأي نسبة المشاركة في الانتخابات بـ54 % خلال قياس للرأي أجري خلال الفترة بين 22 و24 مايو (أيار) بحجم عينة 1000 شخص.

كما توقعت دراسة استقصائية أخرى أجراها مركز “رشد”، التابع لجامعة الإمام الصادق، خلال يومي 28 و29 مايو (أيار)، إقبالًا بنسبة 48.3 %.

وبانقضاء الظروف التي أسفرت عن نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية السابقة بوفاة رئيسي، قد نشهد تغيرًا في توجهات مجلس صيانة الدستور حين مناقشته أهليات الراغبين في الترشح، خاصة أن المتحدث باسمه هادي طحنان نظيف، ذكر أن بعد إصدار المجلس قراره بشأن الأهليات، لا يحق لأحد الاحتجاج عليها.

النماذج الثلاثة للمنافسات

من المتوقع أن نشهد في الانتخابات الرئاسية المقبلة فی 28 يونيو (حزيران) المقبل أحد السيناريوهات الثلاثة من المنافسات السياسية التي حدثت خلال الدورات الانتخابية السابقة.

 منافسة أحادية

انعقدت انتخابات 2021 بعد استبعاد المنافسين الحقيقيين من حكومة روحاني، أو خطاب الاعتدال والإصلاحيين، وفي ظروف تنحى كل من علي رضا زاكاني وسعيد جليلي من بين المرشحين النهائيين في الانتخابات لصالح رئيسي، وقُسمت الأصوات في صناديق الاقتراع بين المرشحين الخمسة (وبالطبع الأصوات الباطلة).

استطاع رئيسي خلالها الحصول على 18 مليون صوت من إجمالي 28 مليون صوت.

منافسة ثنائية

سنواجه ثنائية حادة جدًّا، مع الأخذ في الحسبان الانتخابات الرئاسية عام 2017؛ إذ كانت هذه الانتخابات واحدة من أهم الثنائيات الانتخابية في تاريخ العقود الثلاثة من تاريخ الجمهورية الإسلامية. أوَّل ثنائية شاهدناها في عام 1997، وانتصر فيها محمد خاتمي. أمَّا الثانية فكانت عام 2009، حينما تنافس محمود أحمدي نجاد ومير حسين موسوي. أمَّا الثالثة فجاءت عام 2017 بين رئيسي وروحاني، ولم يتمكن رئيسي خلالها من الحصول على أكثر من 16 مليونًا و500 ألف صوت، وهذا هو الرقم الذي حصل عليه الأصوليون إجمالًا عام 2013.

منافسة متعددة

أجريت انتخابات عام 2013 الرئاسية، وراهنت الحكومة القائمة آنذاك (محمود أحمدي نجاد) على رحيم مشائي. وكان القطب الآخر في هذه الانتخابات هو هاشمي رفسنجاني، فضلًا عن بقية الأصوليين، وفي نهاية المطاف أجريت الانتخابات في ظروف لم يكن ليتوقع فيها استقطاب أكثر من هذا. في ذلك العام، ترشح من الأصوليين قاليباف، وجليلي، ورضائي وولايتي، وحصل فيها قاليباف على 6 ملايين صوت، وجليلي على 4 ملايين صوت، ورضائي على 3 ملايين و800 ألف صوت، وولايتي على مليونين و200 ألف صوت، ليبلغ إجمالي أصوات هذا التيار 16 مليون صوت، وهو العدد الذي جُمع عام 2017 وأودع في صناديق الاقتراع لصالح إبراهيم رئيسي.

إجمالًا، في غياب عنصر خلافة القائد الأعلى على الأقل مؤقتًا، قد تكون الفرصة مواتية للقيادات في إيران عكس المسار المتخذ الذي بدأ السير عليه منذ انتخابات البرلمان عام 2020، بما يشجع الجماهير على العودة إلى العملية الانتخابية، وربما نشهد مشاركة واسعة تتعدى نسبتها النسب السابقة، على الأقل في ظل إقدام عدد لافت من السياسيين البارزين على الترشح، ومحاولات صف الصفوف، سواء الإصلاحية أو الأصولية. لكن مع ذلك، سيكشف إعلان مجلس صيانة الدستور أهلية الراغبين في الترشح في الانتخابات يوم 11 يونيو (حزيران) الجاري في أي اتجاه ستسير الانتخابات، واختيار الرئيس التاسع لإيران في ظل الجمهورية الإسلامية.

ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.


شارك الموضوع