إستراتيجيات عسكريةمقالات المركز

سياسات القومية العرقية في بلدان آسيا الوسطى ما بعد الاتحاد السوفيتي


  • 18 ديسمبر 2023

شارك الموضوع

بعد فشل الهجوم الأوكراني المضاد، بدأ الحديث في المجتمع الإعلامي، وما يحيط به ويتصل به من محللين ومتابعين، عن الهجوم الروسي المضاد، وعما إذا كان الروس سيذهبون إلى اجتياح أوكرانيا والسيطرة على كييف، أم أنهم سيكتفون بتقدم بطيء داخل المناطق الأربع التي ضموها في هذه الحرب.

هل كان الهدف من هذه الحرب هو السيطرة على كييف؟

مذ أول رصاصة أُطلقت في هذه الحرب الروسية الأوكرانية، كان المتابعون والمشتغلون بهذا الشأن ينتظرون أن تعمد روسيا إلى السيطرة على العاصمة الأوكرانية كييف؛ لأن أقرب الطرق نحو السيطرة على أوكرانيا وإخضاعها، هو إسقاط كييف، وإزالة الحكومة الموجودة فيها، ولكن صارت الأحداث على غير ما توقع المتابعون، فلم يدم حصار كييف إلا أيامًا معدودات، ثم تحولت الاهتمامات الروسية نحو السيطرة على الجنوب والشرق الأوكراني، وتركت العاصمة.

وقد ذهبت وسائل الإعلام في العالم كل مذهب إزاء تحليلها لهذا الأمر، وخاصة تلك الموالية للغرب، فقد احتفت بهذا الأمر، واعتبرته انتصارًا لأوكرانيا، وذهبت الموالية لروسيا إلى أن مكانة كييف في الاتحاد السوفيتي، ودورها فيه، جعلا الروس أكثر رغبة في الحفاظ عليها، وعدم اقتحامها بالقوة.

ولو كان للروس نية في اقتحام كييف لأقاموا حظرًا جويًّا، ولحاصروها كما فعلوا مع باقي المدن التي اقتحموها، حيث دكوها على عروشها، في تطبيق للعقيدة الحربية الروسية المسماة بالأرض المحروقة، ولكن حين تعلق الأمر بكييف لم يتم أي من هذا الذي قلت لك؛ وإنما كانت هناك محاولات محتشمة على مدى الأيام الأولى، يظهر معها جليًّا عدم وجود رغبة من الروس في دخول العاصمة كييف، ثم انتقلت ساحة المعركة إلى الجنوب والشرق.

ومن هنا يتضح أنه لم تكن للروس أي خطط للسيطرة على كييف، أو تغيير الحكومة الموجودة فيها.

إطالة أمد الحرب

دائمًا ما كنت أومن بشيء في هذه الحرب؛ وهو أن لها خصوصية تكمن في السبيل المؤدية إلى نهايتها، وهذه الخصوصية تتجلى في أن جميع الحروب تنتهي إلى طاولة المفاوضات، والذي يدفع بها إلى طاولة المفاوضات هي ساحة القتال ونتائجها، لكن هذه الحرب لن يدفع أطرافها إلى طاولة المفاوضات ساحة المعركة؛ وإنما قدرة كل طرف من أطرافها على التوسع، وإقامة علاقات اقتصادية، وهذا التوسع مجاله العالم العربي، والقارة الإفريقية، وكنت أومن أنه لو مالت كفة الدول العربية والإفريقية نحو الغرب فستُحاصَر روسيا وتُخضَع، وتُحَث على الاستسلام، وتُدفَع نحو المفاوضات، ولو مالت كفة هذه المنطقة العربية والإفريقية نحو روسيا، فهذا سيفتح أمامها (أي روسيا) أسواقًا جديدة تعوض بها الأسواق التي خسرتها، وتفتح أمامها آفاقًا أخرى لتجاوز العقوبات التي فُرضت عليها.

وأظن أن روسيا تمكنت من كسب معركة التوسع التي خاضتها دبلوماسيتها؛ ولهذا، وبدلًا من أن تُستنزَف في هذه الحرب، أصبحت هي التي تَستنزِف الغرب، الذي بدأ يتململ عن موقفه الأول المتعلق بالدعم غير المشروط لأوكرانيا، وبدأ يبحث عن أي علة يعلق بها تراجعه.

وروسيا لن تعمد في هذه الظروف إلى اجتياح أوكرانيا، وإسقاط كييف؛ وإنما ستعمل على إطالة الصراع، ما دامت تملك مفاتحه (وهي القدرة على التوسع)، ولها القدرة على استنزاف الغرب.

حرب غزة

أسهمت حرب غزة في إبعاد الأنظار عن الحرب الروسية الأوكرانية، كما أنها شتتت الجهد الغربي، وهذا كله يعمل في صالح روسيا، ويجعل لها اليد العليا في حربها مع الغرب، وهي تستغل حرب غزة إعلاميًّا لتثبيت نفسها فاعلًا قويًّا في الساحة الدولية.

استنتاجات

1- لا توجد رغبة لدى الروس في السيطرة الكاملة على أوكرانيا، أو إسقاط نظام كييف الحالي؛ وذلك لأن إسقاطه وتعيين نظام موالٍ لموسكو قد يجعل من أوكرانيا عراقًا جديدًا، وليس في صالح روسيا أن تكون على حدودها بؤرة متوترة.

2- من مصلحة الروس، في الظروف الحالية، إطالة أمد الصراع، فالغرب هنا هو الذي يُستنزف، كما أن قواه تشتت بين حرب غزة وحرب أوكرانيا، وإنهاء الحرب الآن باجتياح كل أوكرانيا سيعطي فرصة للغرب للملمة نفسه، وإعادة ترتيب صفوفه.

3- لهذا كله، ستكتفي روسيا، في هجومها المضاد، بتحقيق تقدم، وإن كان كبيرًا، لكنه لن يذهب أبعد من حدود المناطق الأربع التي شملها الاستفتاء.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.


شارك الموضوع