
تعد نظرية الانتشار العسكري إطارا تحليليا لفهم انتقال التقنيات والمنظومات القتالية الجديدة بين الدول، وتأثيرها في توازن القوى وطابع الحرب. ومع تسارع التطور العسكري المرتبط بالذكاء الاصطناعي والمنظومات غير المأهولة، يتجدد السؤال عن الدول التي تقود التغيير وتلك التي تتكيف معه. ركزت الأدبيات التقليدية طويلا على القوى الكبرى بوصفها المحرك الأول لهذا التطور، بينما حظي دور القوى الإقليمية والوسطى باهتمام أقل. ويساعد توسيع النظرية عبر مفهوم «المتحرك الذكي والمرن» على فهم كيفية اختيار دول الشرق الأوسط مزيجا من الاستراتيجيات، بدلا من الاكتفاء بموقع التابع المتأخر أو المقلد السلبي.
تتداخل في البيئة الأمنية للشرق الأوسط التهديدات التقليدية وغير المتماثلة. وتتطور التقنيات بسرعة، فيما أصبحت المنظومات غير المأهولة عنصرا ثابتا في النزاعات الإقليمية، من الاستطلاع والضربات الدقيقة إلى الهجمات بالطائرات المسيرة منخفضة الكلفة. لذلك لم يعد انتظار نضج التقنية قبل تبنيها خيارا كافيا. بات على الدول أن تقرر مبكرا ما إذا كانت ستستثمر في الريادة، أو المتابعة السريعة، أو التعويض الدفاعي، أو التأجيل المدروس.
تحدد هذه القرارات أولويات التسلح والعقيدة العسكرية والتنظيم والصناعة الدفاعية لسنوات مقبلة. وغالبا ما تصور ميزة المتحرك الأول بوصفها مكسبا حاسما؛ فمن يبتكر أسلوبا جديدا للقتال ويطبقه بنجاح يكتسب تفوقا مؤقتا يمكنه من توسيع نفوذه. لكن الريادة تتطلب استثمارات كبيرة في البحث والتطوير، وتنطوي على احتمال تبني حلول لا تثبت جدواها. في المقابل، يستطيع المتحرك الثاني التعلم من أخطاء الأول والاستفادة من استثماراته، ثم تطوير حل أقل كلفة وأكثر ملاءمة للإنتاج الواسع. وينطبق هذا المنطق على الشرق الأوسط، حيث لا تستلزم المنافسة تماثل القدرات بالكامل، ويمكن للدول متوسطة الحجم اختيار مجالات تفوق تناسب مواردها وجغرافيتها وطبيعة التهديدات التي تواجهها.
لم تكن دول المنطقة بعيدة عن تطوير المنظومات غير المأهولة. فقد طورت تركيا وإسرائيل، على مدى عقود، قدرات متقدمة في هذا المجال، تشمل الاستطلاع والذخائر المتسكعة والربط بين المنصات وأنظمة القيادة والسيطرة. وبنت إيران، عبر الهندسة العكسية والتطوير المحلي التدريجي، مجموعة واسعة من الطائرات المسيرة منخفضة الكلفة، من بينها طرازات «شاهد». وجعلت من كثافة الإنتاج وانخفاض الكلفة وسيلتين لتعويض الفجوة النوعية أمام الدفاعات الجوية المتقدمة. أما تركيا، فانتقلت من استيراد الطائرات المسيرة إلى إنتاجها وتصديرها، مستفيدة من الخبرات الخارجية والتطوير المحلي للمفاهيم التشغيلية. وتبين هذه التجارب أن التأخر التقني ليس وضعا دائما، وأن المرونة المؤسسية والتركيز الصناعي قد يعوضان بعض قيود القوة الشاملة.
في ضوء ذلك، يمكن تحديد أربع استراتيجيات متاحة لدول الشرق الأوسط، يتوقف الاختيار بينها على طبيعة التهديد ودرجة نضج التقنية. أولها المحاكاة، أي تبني تقنية أو أسلوب تشغيل أثبت فعاليته لدى دولة سبقت إلى استخدامه. تقلل هذه الاستراتيجية عدم اليقين وتسرع بناء القدرة، لكنها قد تبقي الدولة خلف منافس يواصل التطوير. وتظهر ملامحها في مساعي بعض دول الخليج إلى توطين إنتاج الطائرات المسيرة الهجومية أحادية الاتجاه، بعدما برزت قدرتها على فرض كلفة مرتفعة على شبكات الدفاع الجوي قياسا بكلفة إنتاجها.
الاستراتيجية الثانية هي التعويض. لا تسعى الدولة هنا إلى نسخ التقنية، بل إلى تطوير وسائل دفاعية أو هجومية تحد من فاعليتها. ويناسب هذا المسار الدول التي تمتلك منظومات دفاع جوي وصاروخي متقدمة، لكنها تواجه تهديدات منخفضة الكلفة يمكن إطلاقها بأعداد كبيرة. لذلك عززت دول خليجية دفاعاتها متعددة الطبقات، ومخزونها من الصواريخ الاعتراضية، وربطت أنظمة الإنذار المبكر بوسائل مواجهة الطائرات المسيرة، مع الاحتفاظ بخيارات الردع الهجومي. ولا يعني التعويض التخلي عن التقنية الجديدة، بل إعادة توزيع الاستثمار بين الحماية والرد.
أما الاستراتيجية الثالثة فهي الابتكار داخل الإطار التقني القائم. فبدلا من نقل الحل كما هو، تستخدم الدولة التقنية الأساسية بأسلوب تشغيلي يناسب احتياجاتها. يظهر ذلك في توظيف إيران الطائرات المسيرة ضمن هجمات مباشرة وغير مباشرة، وفي دمج إسرائيل هذه الطائرات ضمن منظومات القيادة والاستطلاع والاستهداف، وفي استخدام تركيا لها لتحقيق تفوق تكتيكي مع تقليل المخاطر البشرية والسياسية. يتيح هذا المسار تحويل تقنية متاحة إلى قدرة ترتبط بعقيدة الدولة وتنظيم قواتها، دون الدخول في سباق شامل مع القوى الكبرى.
الاستراتيجية الرابعة هي التأجيل المدروس، أي الامتناع مؤقتا عن الاستثمار المكثف في تقنية أو أسلوب قتال معين، بسبب عدم نضجه، أو الحاجة إلى توجيه الموارد نحو أولويات أخرى، أو محدودية التهديد في تلك المرحلة. لكن التأجيل يحتاج إلى مراجعة مستمرة. فعندما يتغير مستوى التهديد بسرعة، قد يتحول إلى فجوة أمنية مرتفعة الكلفة. وقد دفع تنامي تهديد الطائرات المسيرة والصواريخ منخفضة الكلفة بعض الدول الخليجية إلى توسيع شراكاتها الصناعية وتوطين جانب من الإنتاج العسكري، بعدما اعتمدت بدرجة كبيرة على الاستيراد.
لا يجري الاختيار بين هذه الاستراتيجيات بمعزل عن حجم التهديد وسرعته، أو وتيرة تطور التقنية وانتشارها. فعندما يكون التهديد وشيكا والتقنية سريعة الانتشار، كما هي الحال في مجال الطائرات المسيرة، تزداد أهمية المتابعة السريعة والابتكار الميداني والتعويض الدفاعي. أما إذا بقيت التقنية غير ناضجة وكان التهديد بعيد المدى، فقد يكون التأجيل أو الاستيراد الانتقائي خيارا مناسبا. وفي الحالتين، تحتاج الدولة إلى آلية تراجع بها قراراتها باستمرار، لأن التحولات العسكرية عمليات ممتدة تتطلب تكيفا متواصلا.
في ظل استمرار الهجمات الإيرانية على بلدان الخليج، تكتسب نظرية الانتشار العسكري أهمية إضافية. فالذكاء الاصطناعي والمنظومات التي تعمل بدرجات متفاوتة من الاستقلالية يؤثران بالفعل في سرعة اتخاذ القرار، وكثافة الاستهداف، وكلفة الاستنزاف. وسواء نظر إلى هذه التطورات بوصفها تغييرا في طابع الحرب أو في بعض شروطها العملية، فإنها تفرض مراجعة العقائد العسكرية والتنظيم والتدريب والصناعة الدفاعية. والدولة التي تكتفي بالمراقبة تخاطر باتساع الفجوة بينها وبين خصومها. أما الدولة التي تتصرف بمرونة، فتستطيع توزيع خياراتها بحسب المجال التقني: تحاكي في مجال، وتعوض في آخر، وتبتكر في ثالث، وتؤجل الاستثمار في مجال رابع بعد تقدير مخاطره.
ولا تستطيع دول الشرق الأوسط تجاهل دور القوى الكبرى في هذه العملية. فالتحالفات ونقل التقنية والتكامل الصناعي عناصر مؤثرة، سواء في العلاقة مع الولايات المتحدة أو مع شركاء آخرين، منهم الصين وتركيا. لكن الاستفادة من هذه العلاقات تتطلب قدرة داخلية على استيعاب التقنية وتكييفها وإنتاج بعض مكوناتها محليا. وقد انتقلت بعض دول المنطقة تدريجيا من موقع المشتري إلى الشريك الصناعي، ثم إلى إنتاج أجزاء من المنظومات. وتسعى السعودية والإمارات ومصر إلى توطين حصة أكبر من الإنفاق الدفاعي وبناء قدرات لتصنيع الطائرات المسيرة ووسائل مواجهتها. وتقدم تركيا مثالا على دور شركات القطاع الخاص، بالتنسيق مع الدولة، في بناء قدرة تصديرية وعسكرية. وتظهر التجربة الإيرانية كيف يمكن للقيود الخارجية أن تدفع إلى تبني حلول تقوم على بساطة التصميم وكثافة الإنتاج والانتشار عبر الحلفاء والجماعات المسلحة.
تكشف المنطقة أيضا حدود كل استراتيجية. فقد تبني المحاكاة السريعة مخزونا من السلاح دون عقيدة تشغيلية ناضجة. وقد يستنزف التعويض الدفاعي الميزانيات إذا بقيت كلفة الاعتراض أعلى كثيرا من كلفة الهجوم. وقد يمنح الابتكار غير المتماثل قدرة على الاستنزاف دون تحقيق حسم. أما التأجيل، فقد يترك فجوة أمنية تظهر عند تغير مستوى التهديد. لذلك يتوقف النجاح على إدارة مجموعة من الاستراتيجيات المتزامنة ومراجعتها مع كل تحول في التقنية أو طبيعة التهديد.
يساعد إدراج مفهوم «المتحرك الذكي والمرن» في نظرية الانتشار العسكري على تجاوز حصر خيارات دول الشرق الأوسط بين الريادة والتبعية. فمحدودية الموارد تدعو إلى تركيز الاستثمار في مجالات محددة، وتسريع استخلاص الدروس الميدانية، والجمع بين الشراء والتوطين والتطوير. وفي إقليم تتسارع فيه التقنيات وتتداخل فيه الحروب بالوكالة مع المواجهات بين الدول، لا يقتصر السؤال على من يتحرك أولا، بل يشمل قدرة كل دولة على اختيار مسار يلائم مواردها وخصومها والوقت المتاح لها. وعلى هذا الأساس يمكن لصناع القرار بناء قدرات ردع أكثر قابلية للتكيف، وحماية أمن دولهم واستقلال قرارها.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير