تقدير موقف

الغضب المتقطع.. ديناميات الاحتجاج في الهند


  • 6 أكتوبر 2026

شارك الموضوع

في 4 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، خرج آلاف المحتجين الشباب وأنصار أحزاب المعارضة في نيودلهي ومومباي للمطالبة باستقالة رئيس مفوضية الانتخابات جيانيش كومار، في وقت واصلت فيه الشرطة اعتقال متظاهرين على مدى عدة أيام. لم تكن هذه التظاهرات حدثا معزولا، بل حلقة ضمن سلسلة من الاحتجاجات الشبابية المتقطعة التي بدأت في صيف العام الجاري بعد تسريب امتحان القبول الطبي الوطني، وامتدت إلى اتهامات بـ”سرقة الأصوات” على خلفية عملية المراجعة المكثفة الخاصة لجداول الناخبين. ويكشف التزامن بين ضغط الشارع الطلابي وحراك تحالف المعارضة عن تحول في شكل معارضة نظام ناريندرا مودي بعد اثني عشر عاما في السلطة.

اعتراضات داخل الهيئة الانتخابية وجدال الشطب الواسع

اندلعت الاحتجاجات الأخيرة بعد تقارير صحفية، أبرزها تحقيق نشرته صحيفة “إنديان إكسبرس”، أفادت بأن المفوضين الانتخابيين سوخبير سينغ ساندو وفيفيك جوشي سجلا اعتراضات في مناسبات متعددة، خلال نحو عشرة أشهر، على قرارات تتعلق بإضافة الناخبين وحذفهم، وتعديل نماذج التسجيل، ومركزة أنظمة الجداول.

ولم تنف المفوضية جوهر ما ورد في التحقيق، وقالت إن الاختلاف بين المسؤولين أمر طبيعي وإن إجراءاتها قانونية. غير أن المعارضة اعتبرت هذه الاعتراضات دليلا على انفراد رئيس المفوضية بقرارات حساسة ضمن عملية مراجعة انطلقت العام الماضي، وأسفرت، بحسب تقديرات نشرتها وسائل إعلام وتبنتها أحزاب المعارضة، عن شطب أكثر من 130 مليون ناخب من المسودات في نحو ثلاثين ولاية وإقليما اتحاديا، بما يقارب 14% من القوائم السابقة، مع تسجيل نسب أعلى في بعض المناطق، من بينها دلهي.

وتطالب أحزاب تحالف “إنديا” وحركة “حزب الصراصير الشعبي” بتجميد القوائم المعدلة، واستعادة الأسماء التي حذفت عن طريق الخطأ، واستقالة كومار. وذهبت بعض الأصوات، من بينها راؤول غاندي، إلى المطالبة بمحاسبته على خلفية اتهامات تصل إلى “الخيانة الانتخابية”. في المقابل، تؤكد مفوضية الانتخابات أن المراجعة تستهدف إزالة حالات التكرار وأسماء المتوفين وغير المؤهلين، وأصدرت توجيهات لموظفيها بإعادة تسجيل من حذفوا عن غير قصد. ولم يعلق كومار علنا على مطالب استقالته.

في نيودلهي، حاول متظاهرون من اتحاد طلاب عموم الهند، واتحاد الطلاب الهندي، وجناح الشباب في المؤتمر الوطني، وحزب عام آدمي، الوصول إلى جانتر مانتر ومحيط مقر المفوضية، فاعتقل المئات، وأغلقت محطات مترو، وفرضت قيود على التجمع. وكان من بين المعتقلين رئيسة اتحاد طلاب عموم الهند نيها بورا، والناشط يوغيندرا ياداف، إلى جانب حقوقيين وبرلمانيين.

وفي مومباي، قاد راج ثاكيراي وأودهاف ثاكيراي احتجاجات طالبت بإلغاء المراجعة واستقالة كومار، في حين حشد “حزب الصراصير الشعبي” آلاف الشباب في حديقة شيفاجي. وأعلن تحالف المعارضة تنظيم مسيرات تحت شعار “إنقاذ الديمقراطية” بين 2 و8 أكتوبر (تشرين الأول)، إلى جانب مسيرة برلمانية إلى مقر المفوضية في 6 من الشهر نفسه، في حين حددت الحركة الشبابية 10 أكتوبر (تشرين الأول) موعدا لتجمع أكبر في دلهي. وبذلك، لم يعد الاحتجاج مجرد رد فعل، بل أخذ يتحول إلى حملة معارضة منظمة تسبق استحقاقات انتخابية في ولايات مهمة.

رأس المال الرمزي للاحتجاج الهندي

لفهم دلالة هذه الموجة، ينبغي ربطها باحتجاجات الطلاب في يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) 2026. فبعد اكتشاف تسريب أسئلة امتحان القبول الطبي الوطني، ألغت السلطات نتائج نحو مليوني متقدم، قبل إعادة الاختبار لاحقا. وتحولت حركة ساخرة نشأت على الإنترنت تحت اسم “حزب الصراصير الشعبي”، بقيادة أبيجيت ديبكي وآخرين، إلى قوة في الشارع طالبت باستقالة وزير التعليم دارميندرا برادهان، ونجحت في إجباره على التنحي.

مثلت هذه الواقعة أول انكسار وزاري واضح تحت ضغط شبابي مباشر خلال الولاية الثالثة لمودي. واكتسبت الحركة من تلك التجربة رأسمالا رمزيا، بعدما أثبتت أن الاحتجاج المركز على قضية محددة، والمدعوم بشبكات رقمية وغضب طبقي وتعليمي، قادر على إزاحة مسؤول اتحادي. لذلك انتقلت بسرعة من ملف الامتحانات إلى ملف الجداول الانتخابية، ووصفت استقالة كومار بأنها “النداء الأخير لإنقاذ الديمقراطية”.

لكن ذلك لا يعني تطابق الحركتين من حيث القاعدة أو الأيديولوجيا. فالأولى نمت من إحباط تنافسي وطبقي، بينما تتقاطع الثانية مع أجندة أحزاب فقدت السلطة المركزية. ويلتقي الطرفان عند شعور مشترك بأن مؤسسات الدولة لم تعد وسيطا محايدا بين المواطن والفرصة، سواء كانت مقعدا جامعيا أو صوتا انتخابيا.

ويتزايد التظاهر ضد نظام مودي لأسباب بنيوية لا تقتصر على الخصومة الحزبية. أولها العامل الديموغرافي؛ فالهند مجتمع فتي، ويواجه الشباب دون الثلاثين معدلات بطالة أعلى بعدة مرات من المتوسط الوطني، بينما تباطأ نمو وظائف الشركات مقارنة بالفترة السابقة لعام 2020. وتمثل الامتحانات التنافسية الوطنية، بالنسبة إلى ملايين الأسر، أحد أهم المسارات المؤدية إلى طبقة وسطى مستقرة. وعندما تتكرر تسريبات الامتحانات، مع تسجيل حالات إلغاء نتائج في أكثر من عشرين امتحانا منذ 2014، يتحول الفشل المؤسسي إلى أزمة طبقية.

ثانيها فجوة السرد الاقتصادي. فالحكومة تقدم معدلات النمو الكلية المرتفعة دليلا على النجاح، بينما لا ترى قطاعات واسعة من الخريجين والعمال غير الرسميين انعكاس هذا النمو على الأجور أو الأمان الوظيفي. لذلك لا يعبر الغضب هنا عن رفض للنمو في ذاته، بقدر ما يعكس رفضا لطريقة توزيعه ولاحتكار السلطة السياسية لسرديته.

ثالثها مركزية القرار. فعلى مدى اثني عشر عاما، ركز حزب بهاراتيا جاناتا السلطة داخل الجهاز التنفيذي والحزب الحاكم، وأعاد تشكيل علاقة المركز بالولايات، ووسع أدوات الرقابة الرقمية والأمنية. ودفع ذلك المعارضة إلى النظر للعملية الواسعة لتنقية القوائم الانتخابية، حتى إذا كانت مبررة من الناحية الفنية، بوصفها امتدادا للسيطرة السياسية أكثر من كونها إجراء إداريا مستقلا.

رابعها تآكل الثقة في المؤسسات الوسيطة. فقد كانت مفوضية الانتخابات تاريخيا من أكثر الهيئات الهندية احتراما، ولذلك فإن اتهامها بالانحياز، سواء ثبت أم لم يثبت، يمس شرعية النظام السياسي، وليس حكومة بعينها.

أما العامل الخامس، فهو ضيق المجال الاحتجاجي التقليدي. فمع تقييد التجمع في العاصمة، وإغلاق المحطات، وتكرار الاعتقالات، يصبح المنع نفسه عاملا إضافيا يدفع بعض المحتجين إلى التصعيد.

احتجاج متعدد الأسباب ومختلف الأهداف

يتراكم الغضب لدى قطاعات مختلفة من المجتمع الهندي بآليات متباينة، لكنها قابلة للتلاقي. فلدى الطلاب وأسر الطبقة الوسطى الصاعدة، يرتبط السبب الأبرز للغضب حتى الآن بتآكل عقد الجدارة والنزاهة والثقة. ففي التعليم، على سبيل المثال، قد تنتهي سنوات من الدروس الخصوصية والانتظار بتسريب امتحان أو إلغاء نتيجة.

ولدى الناشطين المدنيين واليسار الطلابي، تتجه الحكومة الهندية، من وجهة نظرهم، نحو إجراءات أكثر تقييدا للحريات الأكاديمية والحيز العام. أما أحزاب المعارضة الإقليمية، من مؤتمر ترينامول في البنغال إلى القوى السياسية في مهاراشترا وبيهار، فتخشى أن تؤدي مراجعة القوائم إلى إضعاف قواعدها قبل الانتخابات، ولا سيما في المناطق التي تعتمد فيها على ناخبين مهاجرين أو فقراء يواجهون صعوبات في إثبات الإقامة بالوثائق المطلوبة.

وبالنسبة إلى الأقليات والمجموعات المهمشة، يتداخل القلق الانتخابي مع شعور أقدم بالتهميش الثقافي والسياسي في ظل مشروع قومي هندوسي يرى منتقدوه أنه يعيد تعريف مفهوم المواطنة.

ولا تتفق هذه القطاعات جميعها على البديل. فبعضها ليبرالي دستوري، وبعضها يساري، وبعضها إقليمي هوياتي، وبعضها شبابي غير مؤدلج. لكن ما يجمعها هو الاعتقاد بأن قنوات التصحيح الداخلية، من البرلمان إلى المحاكم في بعض الملفات، مرورا بالإعلام السائد والمفوضية، لم تعد كافية أو سريعة.

ويؤدي طول البقاء في السلطة إلى مفارقة معروفة في تحليل النظم السياسية: فالنجاح الانتخابي المتكرر قد ينتج ثقة مفرطة لدى النخبة الحاكمة، وفي المقابل يدفع الخصوم إلى تسييس كل إجراء إداري. وقد فاز حزب بهاراتيا جاناتا بأغلبية أو ضمن تحالفات مريحة في استحقاقات متتالية، وبنى سردية تقوم على الكفاءة والتنمية والأمن القومي. غير أن هذه السردية تكشف عن فجوات عندما تتعثر الخدمات التعليمية، أو تثير عملية تقنية بحجم مراجعة مئات الملايين من السجلات شكوك أعضاء داخل الهيئة المسؤولة عنها.

أما المعارضة، التي عجزت لسنوات عن بناء بديل برامجي موحد، فقد وجدت في شعار “سرقة الصوت” إطارا تعبويا أبسط من نقد السياسات الاقتصادية. ومن هنا تصبح الخطورة التحليلية مزدوجة؛ فالمبالغة في اتهامات التزوير من دون أدلة قضائية نهائية قد تضعف الثقة في الانتخابات حتى إذا كانت المراجعة سليمة في جانب كبير منها. وفي المقابل، يؤدي رفض المساءلة العلنية واستمرار الاعتقالات إلى تعميق الانطباع لدى المعارضين بأن المؤسسات تدار بصورة حزبية، وأن النظام يتجه نحو مزيد من الانغلاق والسلطوية.

بين الصمود الحكومي وكلفة القمع ومشروع المعارضة الغائب

تجمع استجابة نيودلهي حتى الآن بين نفي الاتهامات واللجوء إلى إجراءات أمنية ميدانية. فالمفوضية تدافع عن سلامة الإجراءات وتفتح باب التصحيح الفردي، بينما تمنع الشرطة التجمعات المركزية، وتعتقل متظاهرين قبل الإفراج عن كثير منهم، مع تسجيل مخالفات تتعلق بأوامر حظر التجمع.

ويبدو هذا النمط فعالا على المدى القصير في تفريغ الشارع، لكنه قد يصبح مكلفا سياسيا إذا تحول المعتقل إلى رمز، على غرار ما حدث مع شخصيات طلابية في يوليو (تموز). وقد علمت تجربة استقالة وزير التعليم الطرفين، الحكومة والمعارضة، درسين متعارضين: رأى المحتجون أن الضغط قادر على تحقيق نتائج، بينما قد تستنتج الحكومة أن التنازل المبكر يشجع على مزيد من التصعيد. ومن ثم قد تميل إلى الصمود في ملف كومار، لأنه يمس مؤسسة إدارة الانتخابات وليس مجرد حقيبة وزارية.

لذلك يرجح أن يبقى كومار في منصبه ما لم يصدر حكم قضائي مؤثر أو يحدث انقسام داخلي أوسع داخل المفوضية. وفي المقابل، يحتاج تحالف المعارضة إلى تحويل الغضب من شعار سياسي إلى آلية رقابة، عبر نشر عينات موثقة من الأسماء المحذوفة، واللجوء إلى الدعاوى القضائية، وتوثيق حالات الحرمان من التصويت، وإلا سيظل الحراك موسميا.

في النهاية، لا تشير احتجاجات نيودلهي ومومباي إلى انهيار وشيك لنظام مودي. فما زال الحزب الحاكم يمتلك جهازا تنظيميا وانتخابيا قويا، إلى جانب سردية تنموية تحظى بقبول لدى قطاعات ريفية وحضرية واسعة. لكنها تكشف أن النمو الاقتصادي لم يعد المصدر الوحيد للشرعية، وأن جيلا دخل الحياة العامة بعد 2014 بدأ يقيس أداء الدولة بمعيارين متزامنين: مدى قدرتها على تأمين فرصة تعليمية واقتصادية عادلة، ومدى قدرتها على صون الصوت الانتخابي.

وحين يفشل المعياران معا، في نظر قطاع معتبر من الشباب، يتحول الاحتجاج من مطلب قطاعي إلى تشكيك في الحياد المؤسسي. وتراكم الغضب ليس مؤامرة ولا يمثل، حتى الآن، لحظة ثورية، بل يعكس تقاطع بطالة الشباب، وتكرار فضائح الامتحانات، ومركزية السلطة، والجدل الواسع بشأن مراجعة انتخابية طالت عشرات الملايين، إلى جانب استجابة أمنية توسع دائرة المتضررين.

ويبقى مستقبل هذا الغضب المتنامي في الهند مرهونا بقدرة المؤسسات على الفصل بين التصحيح الفني للقوائم وشبهة الانحياز السياسي، وبقدرة المعارضة على تجاوز الاستثمار الخطابي في الأزمة إلى تقديم بديل قابل للحكم. ومن دون ذلك، ستظل الشوارع مسرحا موسميا للاحتجاج، من دون أن يتحول الغضب المتقطع إلى قوة سياسية قادرة على إعادة تشكيل النظام.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع