
بعد أربع سنوات من محاولات الغرب عزل روسيا دوليا، تستقبل موسكو يومي 28 و29 أكتوبر (تشرين الأول) 2026 القمة الروسية الإفريقية الثالثة، بعد اجتماع وزاري في القاهرة شاركت فيه أكثر من خمسين دولة إفريقية. وهذه هي المفارقة التي تنطلق منها المقالة: فالقارة التي يفترض أنها ساحة نفوذ غربي تقليدية هي التي أفشلت فكرة العزلة. والسبب يتجاوز روسيا نفسها؛ فإفريقيا تسجل أسرع نمو سكاني في العالم، وتمتلك جزءا كبيرا من المعادن التي يحتاجها الاقتصاد الجديد، وممرات بحرية حيوية، لكنها ما زالت بلا مقعد دائم في مجلس الأمن، وتقترض بشروط أقسى من غيرها. والسؤال الذي تختبره المقالة هو: هل الشراكة الروسية الإفريقية أداة فعلية في الانتقال إلى نظام متعدد الأقطاب، أم مجرد رد ظرفي على أزمة عام 2022؟ تميل الوقائع إلى الإجابة الأولى، بشرط أن ينجح الطرفان في تحويل التقارب السياسي إلى تعاون اقتصادي.
تدخل روسيا إفريقيا بميزة لا تملكها أوروبا، وهي عدم وجود ماض استعماري لها في القارة. فقد دعم الاتحاد السوفيتي حركات التحرر في الجزائر وأنغولا وموزمبيق وجنوب إفريقيا، حين كانت العواصم الغربية تقف في الجهة الأخرى، ودرب عشرات الآلاف من الأطباء والمهندسين والضباط الأفارقة في جامعاته. ويفسر هذا الرصيد التاريخي لماذا تستقبل النخب الإفريقية الخطاب الروسي عن السيادة بثقة لا تمنحها لغيره.
تراجع الحضور الروسي في التسعينيات لأسباب داخلية بحتة، ثم عاد بعد عام 2014، وتسارع بعد عام 2022 بصيغة جديدة تقوم على المصالح المتبادلة في الحبوب والطاقة النووية والأمن، والتنسيق في الأمم المتحدة، والشراكات مع دول قررت بنفسها إنهاء الوجود العسكري الفرنسي على أراضيها. غير أن الإرث التاريخي يفتح الباب، لكنه لا يكفي وحده لبناء علاقة؛ فالذاكرة تسهل بناء الثقة السياسية، لكن المصانع والمشروعات تحتاج إلى استثمارات ومؤسسات.
أعادت قمة سوتشي عام 2019 إطلاق العلاقات بحضور ثلاثة وأربعين رئيس دولة، ووقعت خلالها 92 اتفاقا بقيمة تزيد على تريليون روبل. وانعقدت قمة سانت بطرسبورغ في يوليو (تموز) 2023 تحت ضغط غربي مباشر على العواصم الإفريقية لمقاطعتها، ومع ذلك حضرتها وفود من غالبية دول القارة، وأعلن خلالها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين توريد الحبوب مجانا إلى ست دول إفريقية، وخرجت بإعلان وخطة عمل لمنتدى الشراكة للفترة 2023-2026.
أما القمة الثالثة، فتأتي بعد مسار تحضيري أكثر انتظاما من سابقتيها، شمل اجتماعا وزاريا ثانيا في القاهرة في 20 ديسمبر (كانون الأول) 2025، ثم مشاورات رفيعة المستوى في أديس أبابا في 7 يوليو (تموز) 2026 بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف. واتفق الطرفان خلال هذه المشاورات على مراجعة خطة 2023-2026 واعتماد خطة جديدة للفترة 2027-2029، وإجراء مشاورات سياسية سنوية وحوارات قطاعية. ويمثل ذلك التطور المؤسسي الأهم منذ عام 2019؛ إذ تنتقل العلاقة من لقاءات القمة كل بضع سنوات إلى آلية متابعة ثابتة مع المؤسسة القارية. ولم تعقد القمة الثالثة بعد، وستقاس نتائجها بما ستتضمنه الخطة الجديدة من مشروعات وجداول زمنية.
ترى موسكو في إفريقيا شريكا في بناء نظام دولي أكثر عدلا، وقد أكد الموقف الإفريقي ذلك عمليا. ففي تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة في مارس (آذار) 2022، امتنعت سبع عشرة دولة إفريقية عن إدانة روسيا رغم الضغوط الأمريكية والأوروبية، وعارضت إريتريا القرار. ورفضت هذه الدول أن يفرض عليها أحد اختيار معسكر في حرب بعيدة عنها.
وفي منطقة الساحل، كان الطلب إفريقيا؛ فبعد عقد من الوجود الفرنسي الذي لم يوقف تمدد الجماعات المسلحة، اتجهت مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى روسيا. ومنذ يونيو (حزيران) 2025، يتولى الفيلق الإفريقي التابع لوزارة الدفاع الروسية مهام الدعم والتدريب في مالي، وانتشر في بوركينا فاسو والنيجر، ثم في توغو مطلع عام 2026. وفي النيجر، ساعدت القوات الروسية هذا العام في إحباط محاولة انقلابية كانت ستعيد البلاد إلى الفوضى. وتظل الحرب في شمال مالي صعبة ومكلفة، لكن الحكومات الثلاث تؤكد أن قرار الشراكة سيادي، وأنها راضية عنه.
ويختلف النموذج الروسي عن منافسيه في الأدوات؛ فالصين تقرض وتبني، والاتحاد الأوروبي يربط المساعدات بشروط سياسية، وتركيا ودول الخليج تستثمر في الموانئ والمطارات. أما روسيا، فتقدم ما يصعب على غيرها تقديمه دون شروط، وهو الأمن والحبوب والطاقة النووية. ويعكس تراجع حصتها في سوق السلاح الإفريقية إلى المرتبة الثالثة خلال الفترة 2021-2025 تحولا من بيع المعدات إلى شراكات أمنية مباشرة تشمل التدريب والدعم الميداني.
تجاوز حجم التجارة الروسية الإفريقية 27 مليار دولار في عام 2025، بحسب لافروف، رغم العقوبات واضطراب الشحن والتأمين. ويظل هذا الرقم أصغر بكثير من حجم تجارة إفريقيا مع الاتحاد الأوروبي أو الصين، لكن نموه في ظل الحصار المالي الغربي يدل على وجود طلب إفريقي حقيقي. وتتركز المبادلات التجارية في شمال القارة؛ إذ بلغ حجم التجارة مع مصر وحدها نحو 9 مليارات دولار في عام 2024، بزيادة تجاوزت 30%.
ويعد الأمن الغذائي والطاقة من أهم المجالات التي تقدم فيها روسيا إسهامات للقارة الإفريقية؛ فالقمح والأسمدة الروسية تصل إلى أسواق إفريقية تعاني من ارتفاع الأسعار العالمية، وقد تعهدت موسكو في أديس أبابا بضمان استمرار الإمدادات. وتمثل محطة الضبعة النووية في مصر نموذجا لما يمكن أن تكون عليه الشراكة؛ إذ تضم أربعة مفاعلات بقدرة 1200 ميغاواط لكل منها، ودخلت عقودها حيز التنفيذ عام 2017، ومن المقرر ربط أول مفاعل بالشبكة عام 2028، والبقية بحلول عام 2030. ويتضمن المشروع تدريب الكوادر المصرية ونقل خبرات التشغيل والصيانة لعقود، بما يمثل توطينا فعليا للتكنولوجيا.
وتشكل العقوبات الغربية العائق الأكبر أمام الشراكة؛ إذ تعقد المدفوعات والتأمين والتمويل لدول إفريقية لا علاقة لها بالنزاع. وتمثل التسوية بالعملات الوطنية وأنظمة الدفع المستقلة استجابة عملية لذلك، لكن نجاحها يتطلب تجارة أكثر توازنا، أي زيادة الصادرات الإفريقية إلى السوق الروسية. وهنا يبرز التحدي الأهم، وهو توطين القيمة المضافة عبر التصنيع المشترك والتدريب المهني، بما يتسق مع أجندة الاتحاد الإفريقي 2063 ومنطقة التجارة الحرة القارية.
إفريقيا التي تتعامل معها روسيا ليست ساحة سلبية، وهذا تحديدا ما يجعل الشراكة ممكنة. فمصر تبني مع روسيا محطة نووية، وتشتري قمحها، وتحتفظ بعلاقاتها الأخرى. وتعمل جنوب إفريقيا مع موسكو داخل مجموعة بريكس على إصلاح المؤسسات المالية الدولية. وأصبح الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا القناة المؤسسية للحوار، بينما اختارت دول الساحل روسيا شريكا أمنيا رئيسيا بعد أن خذلها الشريك السابق.
ويكمن الفرق بين روسيا وغيرها في أنها لا تطلب من شركائها الأفارقة قطع علاقاتهم مع الآخرين. ويتسق ذلك مع مفهوم التعددية القطبية نفسه، الذي يقوم على عالم تختار فيه الدول شركاءها وفق مصالحها. وقد دعم البيان الروسي الإفريقي في أديس أبابا مطلبين إفريقيين أساسيين، هما تصحيح نقص تمثيل القارة في مجلس الأمن، وفق توافق إزولويني وإعلان سرت، وإصلاح بنوك التنمية متعددة الأطراف لتوفير تمويل أقل تكلفة. وباعتبار روسيا عضوا دائما في مجلس الأمن، فإن تأييدها لهذه المطالب يحمل وزنا فعليا.
وتضمن البيان نفسه دعما روسيا لمبدأ الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية في الساحل والبحيرات العظمى والقرن الإفريقي والسودان وليبيا، وللتمويل المنتظم لعمليات السلام التي يقودها الاتحاد الإفريقي وفق القرار 2719، إضافة إلى الاستعداد لدعم المركز الإفريقي لمكافحة الأمراض في مواجهة تفشي الإيبولا في الكونغو الديمقراطية وأوغندا. وتضع هذه البنود موسكو إلى جانب المؤسسة القارية، وتمنحها دورا يتجاوز العلاقات الثنائية مع عواصم بعينها.
سبق الطموح السياسي حتى الآن القدرة التنفيذية؛ فقنوات التمويل وضمانات الاستثمار ما زالت محدودة، والشركات الروسية الخاصة حذرة في أسواق عالية المخاطر، كما تتوسع شبكة اللجان الحكومية المشتركة ببطء، إذ عقدت خمسة اجتماعات في النصف الأول من عام 2026، فيما لا تزال عشرة اجتماعات أخرى قيد التفاوض.
ولكي تكون خطة 2027-2029 نقلة نوعية، يمكن أن تقوم على أربعة محاور، يعالج كل منها عائقا محددا. فالشراكات الإنتاجية والتعليم المهني يعالجان ضعف القيمة المضافة، ويقاس نجاحهما بعدد المصانع المشتركة والمتدربين. وتعالج آلية ضمان استثمار مشتركة مع بنوك إفريقية أثر العقوبات على التمويل والتأمين، ويقاس نجاحها بحجم الاستثمار المنفذ. ويسهم ربط صادرات الحبوب والأسمدة بمشروعات تخزين ومعالجة محلية في تحويل التجارة من تبادل السلع إلى نشاط صناعي. أما تحويل المشاورات السنوية مع مفوضية الاتحاد الإفريقي إلى لجان قطاعية تصدر تقارير دورية، فيمنح الشراكة آلية للمتابعة والمساءلة.
حتى عام 2030، تبدو ثلاثة مسارات ممكنة. يتمثل الأول في شراكة مؤسسية متصاعدة تتحول فيها خطة 2027-2029 إلى مشروعات إنتاجية بتمويل مضمون، على غرار مشروع الضبعة. ويتمثل الثاني في استمرار الحضور السياسي والأمني القوي، مع بقاء التجارة والاستثمار دون مستوى الإمكانات المتاحة. أما الثالث، فيقوم على تعاون قطاعي مرن في الطاقة والغذاء والتعليم، يتعايش مع شراكات إفريقية أخرى. والأرجح أن يبدأ المسار بمزيج من السيناريوهين الثاني والثالث، ثم يتجه نحو الأول إذا نجحت القمة في إطلاق أدوات تمويل وضمانات فعلية، وهو ما ستكشفه الخطة الجديدة.
وتخلص المقالة إلى خمس نتائج:
تملك روسيا ما يجعلها شريكا استراتيجيا مقبولا في إفريقيا، ويتمثل ذلك في تاريخ خال من الاستعمار، واحترام سيادة القرار الإفريقي، وامتلاك قدرات في مجالات تحتاجها القارة فعليا. وما ينقصها هو أدوات التمويل والاستثمار على نطاق واسع، وهو ما ستختبره قمة موسكو وخطتها الجديدة. فإذا نجحت في ذلك، سيلحق الوزن الاقتصادي الروسي في القارة بالنفوذ السياسي الذي سبقه.
ما ورد في المقالة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير