
في خطوة تاريخية، من المقرر أن يزور الرئيس الصيني شي جين بينغ القاهرة عقب مشاركته في قمة منظمة شانغهاي للتعاون في بيشكيك، عاصمة قرغيزستان. وتمثل هذه الزيارة، التي تأتي في إطار جولة تمتد من 30 أغسطس (آب) إلى 3 سبتمبر (أيلول)، محطة مهمة في العلاقات الصينية المصرية. وخلال إقامته، سيلتقي شي بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بهدف الإسهام إيجابيا في “صون السلام والاستقرار في المنطقة”، وفقا لما صرح به المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان.
ومنذ عام 2014، أي بعد عام واحد من إطلاق مبادرة الحزام والطريق، عملت الصين ومصر على ترسيخ شراكة استراتيجية شاملة. وفي عام 2016، وقع البلدان مذكرة تفاهم بشأن التعاون في إطار المبادرة. واتسع دور مصر عندما أصبحت شريك حوار في منظمة شانغهاي للتعاون عام 2022.
وتأتي زيارة شي إلى القاهرة في وقت يشهد تحولات إقليمية وعالمية عميقة، بما يشير إلى دخول العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة. وتعود هذه العلاقات إلى عام 1956، عندما أصبحت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية. وعلى مر السنين، تطورت العلاقات بصورة مطردة، وشهدت توسعا سريعا بوجه خاص خلال العقد الماضي، من خلال التعاون العملي والإنجازات الملموسة.
وفي الوقت الراهن، تستثمر نحو 3,366 شركة صينية في مصر عبر قطاعات حيوية، تشمل المنسوجات والألواح الشمسية والمواد الكيميائية وتصنيع السيارات والخدمات اللوجستية، وفقا لمحمد عوض، الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة في مصر. ولدعم المستثمرين الصينيين، أنشأت مصر وحدة متخصصة لتيسير توسع الأعمال ومعالجة التحديات.
وبحلول نهاية عام 2025، بلغت الاستثمارات الصينية في مصر نحو 12 مليار دولار، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 15 مليار دولار بنهاية عام 2026. كما بلغ حجم التجارة الثنائية 20.8 مليار دولار في عام 2025، بزيادة سنوية قدرها 19.6 في المئة، فيما ارتفعت الصادرات المصرية إلى الصين بنسبة 41.9 في المئة، لتصل إلى 819 مليون دولار.
وتؤكد هذه الأرقام النتائج الملموسة للشراكة الاستراتيجية بين الصين ومصر، كما تبرز الدور المحوري للصين في رؤية مصر التنموية. وتقوم هذه الشراكة على المنفعة المتبادلة، حيث تمثل مصر بوابة للصين إلى العالم العربي وأفريقيا. كذلك تتيح مصر للصين منفذا استراتيجيا إلى طرق التجارة العالمية عبر قناة السويس، بينما تفتح اتفاقياتها التجارية الأبواب أمام أسواق إقليمية رئيسية. كما تجعل بنيتها التحتية اللوجستية منها مركزا للتصنيع والتصدير بالنسبة إلى الشركات الصينية التي تستهدف أسواق العالم العربي وأفريقيا وأوروبا.
وبهذه الطريقة، يمكن لمبادرة الحزام والطريق أن تتحول إلى شبكة تنموية ذات تأثير إقليمي أوسع، بما يعزز الازدهار ويرسخ أسس السلام والاستقرار. وقد تسهم زيارة شي في تحقيق مواءمة أوثق بين المبادرة ورؤية مصر 2030، في حين يمكن لمشاركة مصر في منظمة شانغهاي للتعاون أن تشكل جسرا يربط آسيا بالعالم العربي وأفريقيا. ولا ينبغي قياس نجاح هذه الشراكة بحجم الاستثمارات فحسب، بل أيضا بما تولده من صناعات ومعارف وفرص.
وتوفر السياسة الخارجية المصرية المستقلة، إلى جانب تنوع شراكاتها الدولية، مجالا واسعا لتوسيع التعاون مع الصين في قطاعات متعددة. وتكتسب هذه المرونة أهمية أكبر في ظل سعي دول الخليج إلى تعميق علاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع بكين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على شراكاتها الأمنية الراسخة مع الولايات المتحدة.
ويمكن لمصر أن توفر منصة مكملة للتعاون الصيني الخليجي، من خلال الجمع بين رأس المال الخليجي والتكنولوجيا والخبرة الصناعية الصينيتين من جهة، وموقع مصر وقوتها العاملة وبنيتها التحتية واتفاقياتها للتجارة الحرة من جهة أخرى. ومن شأن هذا التعاون الثلاثي أن يحول مصر إلى مركز إقليمي للتصنيع الصيني والخدمات اللوجستية والتكنولوجية.
كما سيتيح للصين وصولا أوسع إلى الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية، ويوفر للمستثمرين الخليجيين فرصا إنتاجية جديدة. وفي المقابل، ستستفيد مصر من الاستثمارات والتكنولوجيا وفرص العمل وتعزيز قدراتها التصديرية. ويمثل هذا النهج المتوازن صيغة تحقق المنفعة للجميع؛ إذ يخدم مصالح الأطراف الثلاثة، ويمنح مبادرة الحزام والطريق بعدا إقليميا أكثر استدامة.
المصدر: صحيفة تشاينا دايلي الصينية
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير