
جراح التاريخ، ودكتاتورية الجغرافيا، والتنافس الإقليمي”، هي “ثلاثية الأزمات المتلاحقة في العلاقات الصينية اليابانية” منذ معركة بيكاغانغ عام 663، وتجددت هذه الجراح في ظل أخطر أزمة تمر بها العلاقات الصينية اليابانية هذه الأيام منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بعد أن قالت رئيسة الوزراء اليابانية الجديدة ساناي تاكايتشي أمام البرلمان في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري: “إن أي تحرك عسكري صيني في تايوان قد يشكل تهديدًا وجوديًا لليابان، وإن استخدام القوة الصينية ضد تايوان قد يبرر ردًا عسكريًا من طوكيو”.
وهذا أول تلميح مباشر، وعلني من أعلى مسؤول في اليابان يتحدث عن إمكانية انخراط اليابان في حرب ضد الصين حال غزو الصين لجزيرة تايوان التي كانت تسيطر عليها اليابان نحو 50 عامًا، من عام 1895 حتى 1945، حيث سيطر اليابانيون على تايوان بعد انتصار اليابان في الحرب الصينية اليابانية الأولى التي استمرت بين عامي 1894 و1895، إذ تنازلت سلالة تشينغ الحاكمة في الصين في ذلك الوقت عن جزيرة تايوان وجزر بنغهو لصالح إمبراطورية اليابان بموجب معاهدة شيمونوسيكي التي وُقِّعت في 17 أبريل (نيسان) 1895.
تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية، التي يراها البعض تلميذة لرئيس الوزراء الراحل شينزو آبي، دفعت بكين إلى رد صارم على جميع المستويات الصينية، التي اعتبرت الموقف الياباني الجديد من تايوان “يقوّض الأساس السياسي” للعلاقات بين البلدين، ويوجه “رسائل خاطئة” إلى القوى الانفصالية في تايوان، وأن السياسة اليابانية الجديدة هي تجاوز “للخط الأحمر”، وعودة إلى التاريخ العسكري الياباني قبل الحرب العالمية الثانية عندما كانت اليابان تحتل “تايوان ومنشوريا”، وجزءًا كبيرًا من الساحل الصيني.
الغضب الصيني تواصل بعد أن اعتبر الجيش الصيني أن أي خطأ من جانب اليابان يمكن أن يحوّل كل الأراضي اليابانية إلى “ساحة معركة”، في حين طالب القنصل الصيني في لوساكا “بقطع رأس الأفعى”. لكن ربما أكثر ردود الفعل العنيفة على تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية جاءت في بيان السفارة الصينية في طوكيو، التي قالت إنه سيكون للصين الحق في القيام “بعمل عسكري مباشر” دون الحاجة إلى إذن من مجلس الأمن إذا اتخذت اليابان أي خطوة نحو “تجدد العدوان”.
ورغم عدم اعتذار رئيسة الوزراء اليابانية عن تلك التصريحات، فإنها أكدت عدم وجود أي تغير في السياسة اليابانية تجاه تايوان والصين، لكن هذه المحاولة لتخفيف التوتر لم تغيّر من الغضب الصيني الذي وصل إلى وقف استيراد المأكولات البحرية من اليابان، ونصح الصينيين بعدم الذهاب للسياحة في اليابان، ورفضت الصين عقد “قمة ثلاثية” تجمع بين الصين واليابان وكوريا الجنوبية. وفي الكتاب الأبيض العسكري الصيني لهذا العام جاء ذكر اليابان 1000 مرة بوصفها “أقوى تحدٍ إستراتيجي” للصين، التي ضاعفت بالفعل الإنفاق العسكري منذ وصول الرئيس شي جين بينغ إلى الحكم عام 2013، وفق ما كشف معهد ستوكهولم للسلام، حيث أنفقت الصين نحو 235 مليار دولار عام 2024. فما آفاق الصراع الياباني الصيني؟ وهل تؤدي الولايات المتحدة دورًا في تسخين الجبهة الصينية اليابانية؟ وما أوراق كلٍّ من طوكيو وبكين التي يمكن إشهارها في وجه الآخر؟
بدأ الصراع الياباني الصيني منذ نحو 1400 عام، عندما كانت كلٌّ من اليابان والصين وكوريا تتكون من ممالك تتصارع، فتندثر عائلة ليبدأ حكم عائلة أخرى، وعاشت العلاقات بين البلدين فترة مزدهرة قبل الحرب اليابانية الصينية الأولى عام 1894، حيث تقاسم البلدان جزءًا رئيسًا من ثقافة المنطقة، وحدث تزاوج وتكونت عائلات مشتركة بين الشعبين والأمتين حتى قيل إن الحب بين الشباب والشابات من الشعبين كان جسرًا للتواصل، ومساحة لصناعة التاريخ المشترك، حيث نقل الصينيون “صناعة الحلويات” -على سبيل المثال- إلى اليابانيين. لكن الحرب اليابانية الصينية الأولى التي سيطر فيها اليابانيون على مساحة شاسعة من الصين، خاصة جزيرة تايوان ومنشوريا والساحل الصيني، ثم ما حدث حينذاك من الجيش الإمبراطوري، أسهم في “تعميق الجراح” بين البلدين حيث ظلت الصين تطالب بمعاقبة اليابان على تاريخها ضد الشعب الصيني والشعوب الآسيوية، إلى أن جاء عام 1972 عندما اعترفت اليابان “بوحدة الأراضي الصينية”، وأن تايوان جزء رئيس من الأراضي الصينية، وهو ما مهد للتعاون الاقتصادي بين البلدين، حيث تعد الصين هي الشريك التجاري الأول لليابان، كما أن الصين هي أكبر مشترٍ للبضائع اليابانية. وفي عام 1995 أصدر رئيس الوزراء الياباني الأسبق تومييشي موراياما بيانًا عبّر فيه عن “ندم عميق”، وقدّم “اعتذارًا صادقًا” عن أفعال اليابان خلال الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الاعتذار لم تقبله رئيسة وزراء اليابان الحالية، وكثيرًا ما كانت تنتقد اللغة التي جاءت في هذا البيان.
تتداخل الأسباب التاريخية، والتنافس الإقليمي، والاصطفافات الدولية في تعميق الخلافات بين الصين واليابان؛ ففي كتابه “دكتاتورية الجغرافيا” قال تيم مارشال إن هناك 3 جزر تحيط بالصين سوف تمنعها في النهاية من التحول إلى “قوة عالمية”، والمقصود بالجزر الثلاثة هي: اليابان، وأستراليا، وتايوان. ويعود الخلاف في الوقت الراهن إلى مجموعة من الأسباب، منها:
أولًا- الخلافات الحدودية
شكّل إعلان القاهرة الثلاثي في الأول من ديسمبر (كانون الأول) 1943، الذي وقّعه الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والحاكم الصيني شيانج كاي شيك، شكّل البداية الأولى لاستعادة الصين كل أراضيها من اليابان. كما أكد المجتمعون عودة كل الأراضي الصينية إلى الحكومة الصينية في “إعلان بوتسدام”، في 26 يوليو (حزيران) 1945، ومنها جزيرة “فورموزا” (تايوان)، وجزر سينكاكاكو. وحتى اليوم لا تزال جزر سينكاكاكو، التي يبلغ مجموع مساحتها نحو 7 كيلو مترات، تحت السيطرة اليابانية، ويطلق على هذه الجزر في الصين “ودياويو”، وترسل الصين سفنًا عسكرية، ومُدمرات بحرية بالقرب من سينكاكو على نحو شبه يومي، وهو سبب من أسباب التوتر بين البلدين، خصوصًا بعد أن سقط صاروخ صيني في المياه الاقتصادية اليابانية في الصيف الماضي. وتقع تايوان على مسافة أقل من 100 كيلو متر من جزر يوناجوني اليابانية، وأدى سعي اليابان إلى تسليح هذه الجزر، وبناء قواعد عسكرية، ونشر الأسلحة فيها إلى توتر شديد مع الصين.
ثانيًا- القواعد العسكرية
مع تنامي البحرية الصينية، ونجاح الصين في تدشين 3 حاملات طائرات، بالتزامن مع نجاح الصين في إنتاج صواريخ بعيدة المدى تتمتع بمستويات عالية من الدقة، بدأت اليابان بنشر قطع بحرية قريبة، وإنشاء “قواعد عسكرية” في الجزر الجنوبية في بحر الصين الشرقي بالقرب من الصين وتايوان. وبتشجيع من الولايات المتحدة نشرت اليابان عددًا من الصواريخ المضادة للسفن على طول سلسلة جزرها الجنوبية الغربية بالقرب من تايوان، كما وسّعت الاتفاق العسكري مع الولايات المتحدة ليشمل بناء عدد من القواعد العسكرية الأخرى وتوسيعها، وهي القواعد التي تنظر إليها الصين بوصفها تضم أسلحة هجومية، وليس أسلحة دفاعية وفق الرؤية اليابانية والأمريكية.
ثالثًا- التحالفات العسكرية
تخشى اليابان من تنامي التحالف العسكري بين الصين وروسيا، خصوصًا في ظل الخلاف الروسي الياباني بشأن جزر “الكوريل”، فضلًا عن التدريبات العسكرية المشتركة بين روسيا والصين. وكان التقارب بين كوريا الشمالية -حليفة الصين- مع روسيا سببًا آخر في القلق الياباني من التحالف الذي يضم روسيا وكوريا الشمالية مع الصين، كما أن الحكومات اليابانية في السنوات العشر الأخيرة وقعت سلسلة من الاتفاقيات العسكرية مع دول مُناوئِة للصين، مثل الاتفاقية العسكرية بين اليابان وأستراليا، والاتفاقية التي تجمع اليابان مع فيتنام والفلبين. كما أن اليابان ضلع رئيس في تحالف “كواد الرباعي”، الذي يضم مع اليابان كلًّا من الهند، وأستراليا، والولايات المتحدة.
رابعًا: الإنفاق العسكري
زادت كلٌّ من الصين واليابان إنفاقها العسكري، فالصين تزيد إنفاقها العسكري بنحو 7% سنويًا، ووصل إلى نحو 235 مليار دولار عام 2024، في حين وضعت اليابان خطة لزيادة إنفاقها العسكري إلى نحو 275 مليار دولار في 5 سنوات، بدأت في 2022 وتنتهي عام 2027. وبضغط من الولايات المتحدة التي تريد من اليابان الوصول إلى إنفاق عسكري يساوي إنفاق دول حلف دول شمال الأطلسي (الناتو) قالت تاكايشي رئيسة وزراء اليابان إنها يمكن أن تصل إلى إنفاق 275 مليارًا خُصِّصت عام 2022 قبل عام 2027، وهو ما يعني أن اليابان وصلت بالفعل إلى إنفاق نحو 2% من ناتجها الوطني على الجوانب العسكرية والدفاعية. ويعد التوسع في الإنفاق العسكري، وشراء السلاح من الأسباب الرئيسة للتوتر بين البلدين، حيث وافقت اليابان على شراء 300 صاروخ توماهوك، وسوف تحمل هذه الصواريخ في السفن والغواصات اليابانية خلال الأسابيع المقبلة، وهو ما أثار حفيظة الصين، إلى جانب القلق الصيني الدائم من وجود نحو 50 ألف جندي أمريكي في اليابان.
لدى الصين سلسلة من الأوراق الاقتصادية التي يمكن أن ترد بها على اليابان، منها: “تقييد تصدير” المعادن النادرة التي تعتمد عليها اليابان بنسبة كبيرة جدًا. ويمكن للصين أن توقف زيارة السائحين الصينيين إلى اليابان، وتُدر السياحة الصينية نحو 10 مليارات دولار لليابان سنويًا. كما أوقفت الصين شراء المأكولات البحرية. وعندما نتحدث عن الاقتصاد، فإن الصين تتمتع بمجموعة من المزايا في مواجهة اليابان بوصفها الشريك التجاري الأول لليابان، والسوق الأولى في استقبال الصادرات اليابانية إلى العالم.
هناك تقديرات في اليابان تقول إن رد الفعل الصيني الصارم على تصريحات رئيسة الوزراء سوف يأتي بنتائج عسكرية، وسوف يدعم اليمين الياباني الذي يطالب بإعادة النظر في “العقيدة النووية” اليابانية التي كانت ترفض إنتاج الأسلحة النووية ونشرها واستخدامها، وبات هذا التيار أكثر توجسًا وقلقًا بعد رد الفعل الصيني، ويطالب بالإسراع في تبني سياسة وعقيدة نووية جديدة في ظل ما يقوله اليمين الياباني عن توسع صيني غير مسبوق في إنتاج القنابل النووية والمثلث النووي.
المؤكد أن انزلاق التنافس الصيني إلى صراع أو حرب بين أكبر اقتصادين في آسيا لن تكون له نتائج كارثية على شرق آسيا وجنوب شرقها فحسب؛ بل على الكرة الأرضية برمتها، وهو ما يستدعي الحكمة والحوار، ولغة السياسة والدبلوماسية.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير