
على مدى عقود اعتمدت الولايات المتحدة الأمريكية على دعم الجماعات الإثنية والعرقية كأدوات ضغط على الأنظمة السياسية المستهدفة لإضعاف السلطة المركزية أو إعادة تشكيل موازين القوى الداخلية، في إطار ما يمكن تسميته بسياسة الاحتواء غير المباشر أو إدارة الصراعات عبر وكلاء محليين لواشنطن، على غرار ما حدث في أفغانستان وسوريا والعراق وليبيا وحاليًا في إيران. حيث يستند هذا النمط إلى افتراض مفاده أن الاختلالات الإثنية أو العرقية داخل الدول متعددة القوميات يمكن أن تتحول إلى نقاط نفاذ استراتيجية تسمح بتقويض قدرة الدول على الحفاظ على تماسكها الداخلي. وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب منذ أيام استعداده لدعم أكراد إيران، وأجرى اتصالات مكثفة مع قادة الأحزاب الكردية في العراق وإيران لتقديم الدعم العسكري واللوجستي، ضمن مقاربة أوسع للحرب المركبة ضد النظام الإيراني تجمع بين الأدوات العسكرية والضغوط الاجتماعية والسياسية.
غير أن طرح سيناريو توظيف أكراد إيران في الحرب الأمريكية الإسرائيلية الراهنة ضد الجمهورية الإسلامية يثير جملة من التساؤلات التي تتجاوز مجرد افتراض إمكانية الدعم الخارجي لهذه الجماعات. فإلى أي مدى يمكن أن تنجح الولايات المتحدة وإسرائيل في تحويل العامل الكردي إلى أداة فعالة لإحداث ضغط داخلي على النظام الإيراني، أم سيؤدي ذلك إلى نتيجة عكسية وتصطف الأقلية الكردية إلى جانب مؤسسات الدولة؟ وهل يهدف هذا التوظيف بالأساس إلى إسقاط النظام بصورة مباشرة، أم إلى استنزاف قدراته الأمنية والعسكرية عبر فتح جبهة صراع داخلية جديدة؟ وما الأهداف الاستراتيجية الأوسع التي قد تسعى واشنطن وتل أبيب إلى تحقيقها من خلال هذا المسار، سواء فيما يتعلق بإضعاف النفوذ الإقليمي الإيراني أو إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط؟ وما الدعائم التي قد تعزز احتمالات نجاح هذا السيناريو؟ وهل يمكن للأكراد وحدهم إسقاط النظام الإيراني؟ وفي المقابل، ما المعوقات الجوهرية التي قد تحد من تحقق هذا السيناريو على المدى المنظور؟
تعكس الخريطة الإثنية في إيران بنية سكانية معقدة تتسم بدرجة عالية من التعدد القومي واللغوي، حيث تشير أغلب التحليلات الديموغرافية الحديثة إلى أن القومية الفارسية لا تمثل سوى أغلبية نسبية، بينما تشكل الأقليات القومية مجتمعة ما يقارب نصف السكان. ويرتبط هذا التكوين بتطور تاريخي طويل للدولة الإيرانية بوصفها إمبراطورية تاريخية تضم مجموعات إثنية متعددة، وهو ما ينعكس اليوم في التوزيع الجغرافي للأقليات على أطراف الدولة وحدودها الإقليمية، ما يفسر استمرار حضور المسألة الإثنية كأحد المتغيرات المؤثرة في استقرار الدولة الإيرانية وفي ديناميات الاحتجاجات الداخلية والتحولات السياسية المحتملة.
وفي هذا السياق، تشكل القومية الفارسية الكتلة السكانية الأكبر، إذ تُقدر نسبتها بنحو 60–61% من السكان، وتتركز هذه المجموعة في قلب الهضبة الإيرانية، خاصة في المناطق الوسطى والجنوبية مثل طهران وأصفهان وفارس. حيث تُعد اللغة الفارسية اللغة الرسمية والإدارية للجمهورية الإسلامية، وتُعتبر الهوية الفارسية إطارًا مرجعيًا للدولة الحديثة. بينما يُعد الأذريون أكبر أقلية إثنية في إيران، حيث تتراوح نسبتهم بين 16% و25% من السكان، ويتمركزون بالأساس في شمال غرب البلاد في محافظات أذربيجان الشرقية والغربية وأردبيل وزنجان، إضافة إلى حضور ملحوظ في العاصمة طهران. وعلى الرغم من انتمائهم اللغوي التركي، فإنهم يتمتعون بدرجة عالية من الاندماج في بنية الدولة، بل يشغل كثير منهم مواقع بارزة في النخب السياسية والاقتصادية. لذلك ينظر بعض المحللين إلى الأذريين بوصفهم أقلية مندمجة نسبيًا داخل النظام السياسي مقارنة ببعض الأقليات الأخرى.
بينما تمثل القومية الكردية نحو 7–10% من سكان إيران، وتتركز في المناطق الجبلية غرب البلاد في محافظات كردستان وكرمانشاه وأجزاء من أذربيجان الغربية. وتتميز هذه المناطق بارتباطها الجغرافي والثقافي بالامتداد الكردي في العراق وتركيا وسوريا، ما يمنح المسألة الكردية بعدًا عابرًا للحدود. وتُعد المناطق الكردية من أكثر المناطق التي شهدت توترات سياسية وأمنية مع الدولة المركزية، خاصة في ظل التداخل بين العامل الإثني والعامل المذهبي، حيث ينتمي جزء كبير من الأكراد إلى المذهب السني في دولة يغلب عليها الطابع الشيعي.
وبجانب ذلك، تقطن أقليات عربية وبلوشية ذات أهمية جيوسياسية في الجمهورية الإسلامية. حيث يشكل العرب نحو 2–3% من السكان ويتمركزون في إقليم خوزستان الغني بالنفط جنوب غرب البلاد، أما البلوش فيمثلون ما بين 2–4% من السكان ويعيشون في إقليم سيستان وبلوشستان جنوب شرق البلاد على الحدود مع باكستان وأفغانستان. وتُعد هذه المناطق من بين أقل الأقاليم تنمية في البلاد، وهو ما أدى إلى تنامي مشاعر التهميش والاحتجاجات المحلية الدائمة.
وإلى جانب القوميات الكبرى، توجد مجموعات إثنية تنتمي إلى العائلة الثقافية الإيرانية نفسها لكنها تحتفظ بهويات محلية مميزة، مثل اللور والجيلك والمازندرانيين على الساحل الجنوبي لبحر قزوين. كما توجد مجموعات أصغر مثل التركمان والقشقاي والطالش. ورغم أن هذه الجماعات تشترك مع الفرس في جذور لغوية وثقافية متقاربة، فإنها تمثل أقلية ثقافية تعكس الطابع المتعدد للمجتمع الإيراني.
يمثل ملف الأقليات الكردية في إيران أحد الأدوات الجيوسياسية التي تطمح الولايات المتحدة وإسرائيل إلى توظيفها ضمن استراتيجيات الضغط المباشر على النظام الإيراني في سياق الحرب القائمة. فأهمية الاعتماد على الأقلية الكردية الإيرانية لا تنبع من حجمها الديموغرافي، بل من موقعها الجغرافي وطبيعته الجبلية وارتباطها بامتداد قومي عابر للحدود، ما يؤهلها للتحول إلى مصدر ضغط استراتيجي على الدولة الإيرانية إذا تزامنت الضغوط العسكرية الخارجية مع توترات داخلية في الأطراف الحدودية. وفي هذا السياق، يمكن تحليل مكاسب ترمب من دعم الأكراد الإيرانيين في إطار مجموعة من الاعتبارات الاستراتيجية المرتبطة بإدارة الصراع مع طهران وإعادة تشكيل توازنات القوى في الشرق الأوسط، تتضح أبرزها فيما يلي:
1- فتح جبهة داخلية موازية للهجمات العسكرية: يُعد دعم الأكراد في غرب إيران أحد الأدوات التي يمكن أن تعزز الضغط متعدد الجبهات على النظام الإيراني خلال الحرب. فبينما تستهدف الضربات الأمريكية الإسرائيلية البنية العسكرية والاستراتيجية للنظام، فإن تنشيط الحركات الكردية في المناطق الحدودية قد يفتح جبهة داخلية تستنزف قدرات الدولة الأمنية. وتكمن أهمية هذه الورقة في أن المناطق الكردية تمتد على حدود مع العراق وتركيا، ما يجعلها مجالًا جغرافيًا ملائمًا لحروب الاستنزاف غير النظامية، ومن ثم فإن دعم هذه الجماعات يمكن أن يضاعف الضغط على المؤسسات الأمنية الإيرانية، وعلى رأسها الحرس الثوري.
2- تسريع إضعاف النظام بعد الضربة القيادية: أحد الأهداف الرئيسية للضربات العسكرية كان إحداث صدمة قيادية للنظام الإيراني عبر استهداف كبار المسؤولين، بما في ذلك مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي خلال الهجمات الأولى. في مثل هذه الظروف الانتقالية، قد ترى الإدارة الأمريكية أن دعم الحركات الكردية يمثل وسيلة لتوسيع حالة عدم الاستقرار الداخلي، بما يمنع النظام من إعادة تنظيم هياكل السلطة بسرعة. وبهذا المعنى يصبح دعم الأقليات جزءًا من استراتيجية تستهدف إطالة مرحلة الفراغ السياسي وإضعاف قدرة النظام على استعادة السيطرة المركزية.
3- توظيف الجماعات الإثنية كجبهات استنزاف داخلية.
4- توسيع نطاق الحرب إلى المجال الاجتماعي والسياسي.
5- توظيف الورقة الكردية ضمن استراتيجية تغيير سلوك النظام.
6- إعادة تشكيل التوازنات الإثنية داخل إيران.
7- استغلال الشبكات الكردية التي نشأت خلال الحرب على داعش.
تطمح الولايات المتحدة وإسرائيل إلى خلق مسار موازٍ للضربات العسكرية على الجمهورية الإسلامية من خلال توظيف الأقليات الإثنية، وفي مقدمتهم الأكراد، لإسقاط النظام من الداخل. غير أن هذا السيناريو لا يزال مستبعدًا أن يؤدي بمفرده إلى تفكيك هيكل الحكم على المدى المنظور، ارتباطًا بعدة محددات، لعل من أبرزها الوزن الديموغرافي المحدود للكرد مقارنة بمراكز السلطة، وطبيعة النظام العقدي الإيراني، والقيود العسكرية والتنظيمية للأقلية، فضلًا عن الطبيعة الجغرافية الصعبة والتحالفات الداخلية الكردية المعقدة. ومن ثم فإن العامل الكردي – في ضوء التطورات الراهنة – لن يتجاوز دوره كأداة استنزاف طويلة الأمد للنظام الإيراني من أجل إثارة الاضطراب وزعزعة الاستقرار في غرب إيران بهدف إضعاف النظام تدريجيًا، لزيادة كلفة الحرب على طهران داخليًا وخارجيًا. لكنه قد يصبح عاملًا مؤثرًا إذا اندمج في إطار استراتيجية ضغط متعددة الجبهات لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية في إيران على المدى الطويل.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير