تقدير موقف

السياسة الروسية تجاه غرينلاند وتأثيراتها في أوروبا وموقف ترمب


  • 20 يناير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: reuters

تُعَدّ غرينلاند أكبر جزيرة في العالم، وتمثل اليوم محورًا متزايد الأهمية في التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى. فعلى الرغم من تعداد سكانها الضئيل وموقعها النائي في القطب الشمالي، أصبحت غرينلاند محط أنظار كل من روسيا والولايات المتحدة وأوروبا بسبب موقعها الإستراتيجي ومواردها الطبيعية الواعدة. وقد ظهر هذا الاهتمام جليًا في السنوات الأخيرة، سواء من خلال التحركات الروسية في المنطقة القطبية، أو من خلال العرض المفاجئ الذي قدّمه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب لشراء الجزيرة. يحاول هذا المقال تقديم تحليل أكاديمي مفصّل لسياسة روسيا تجاه غرينلاند، وتأثير هذه السياسة في أوروبا، إلى جانب استعراض موقف ترمب والسياق الجيوسياسي المرتبط به. سنستعرض الخلفية التاريخية والجيوسياسية لغرينلاند، ثم نحلّل الدوافع الإستراتيجية الروسية تجاهها، والتحركات التي قامت بها موسكو في المنطقة، ونناقش ردود الفعل الأوروبية، خصوصًا من جانب الدنمارك والنرويج وألمانيا، ودور حلف شمال الأطلسي (الناتو)، قبل الانتقال إلى تقييم موقف ترمب وخطته المثيرة للجدل لشراء غرينلاند. وفي الختام، سنخلص إلى استشراف مستقبل التنافس الجيوسياسي في تلك المنطقة الحسّاسة من العالم.

الخلفية الجيوسياسية لغرينلاند

تمتلك غرينلاند أهمية جيوستراتيجية فريدة بحكم موقعها في شمال المحيط الأطلسي وبالقرب من القطب الشمالي. تبلغ مساحة الجزيرة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، ما يجعلها أكبر جزيرة على وجه الأرض، إلا أن نحو 80% منها مغطى بطبقة كثيفة من الجليد. تاريخيًّا، كانت غرينلاند مستعمرة دنماركية منذ القرن الثامن عشر، ولا تزال حتى اليوم إقليمًا يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك. حصلت الجزيرة على حكم ذاتي موسّع بموجب قانون عام 2009 الذي منحها حق تقرير المصير داخليًّا مع بقاء السياسة الخارجية والدفاعية ضمن صلاحيات كوبنهاغن. يبلغ عدد سكان غرينلاند نحو 56 ألف نسمة فقط، معظمهم من السكان الأصليين (الإينويت)، ويتمركزون في شريط ساحلي خالٍ من الجليد جنوب الجزيرة وغربها.

على مدى الحرب الباردة، برزت غرينلاند بوصفها حلقة محورية في منظومة الأمن الغربي، فقد أدركت الولايات المتحدة والدول الأوروبية أهمية موقعها كنقطة متقدمة في مواجهة الاتحاد السوفيتي عبر القطب الشمالي. في عام 1941 خلال الحرب العالمية الثانية، وبعد احتلال ألمانيا للدنمارك، أرسلت واشنطن قوات إلى غرينلاند لحمايتها من أي تهديد ألماني، ثم وقعّت اتفاقية مع الدنمارك عام 1951 تسمح للولايات المتحدة بإقامة قاعدة “ثول” الجوية في شمال غربي غرينلاند.

أصبحت قاعدة “ثول” واحدة من أهم القواعد الإستراتيجية؛ لأنها تضمّ منظومات للإنذار المبكّر عن الصواريخ الباليستية، ورادارات للسيطرة الفضائية تُغطي مسارات القذائف العابرة للقطب الشمالي. وقد أسهمت غرينلاند بذلك في منظومة الردع النووي خلال عقود الحرب الباردة. وإلى جانب الأهمية العسكرية، اعتُبِرَت غرينلاند بوابة إلى ممرات بحرية حيوية بين المحيطين الأطلسي والقطبي، حيث تشكّل الجزيرة أحد أضلاع ما يُعرف بـ”فجوة غرينلاند- آيسلندا- المملكة المتحدة”، وهي ممر إستراتيجي كانت قوات الناتو تراقبه لرصد أي تحركات لأساطيل الغواصات السوفيتية نحو الأطلسي.

بالإضافة إلى ذلك، تزخر غرينلاند بموارد طبيعية ضخمة جعلتها محط اهتمام اقتصادي متزايد. فمع التغير المناخي وارتفاع حرارة القطب، بدأت مساحات الجليد الأبدي في الانحسار تدريجيًّا، كاشفة عن ثروات معدنية كامنة. تشير تقديرات جيولوجية إلى أن الجزيرة تمتلك احتياطيات كبيرة من المعادن النادرة ومعادن إستراتيجية أخرى، مثل اليورانيوم، والذهب، والماس. تُعد المعادن النادرة بالغة الأهمية للتكنولوجيا الحديثة وللصناعات العسكرية (إذ تدخل في صناعة الهواتف الذكية، وتوربينات الطاقة النظيفة، والمقاتلات المتطورة، وغيرها). غير أن استخراج هذه الموارد يواجه تحديات كبيرة بسبب الطبيعة الجغرافية والمناخية القاسية وغياب البنية التحتية، مما حال حتى الآن دون إطلاق مشروعات تعدين واسعة النطاق. كما أن غرينلاند تقع على مقربة من مناطق يُحتمل أن تحتوي مكامن نفط وغاز في بحر لبرادور، وبحر الشمال القطبي، مع أن التنقيب هناك لا يزال محدودًا؛ نظرًا إلى صعوبة الظروف البيئية، والتكاليف المرتفعة.

في العقود الأخيرة، وبالتوازي مع تزايد الحديث عن ذوبان جليد القطب الشمالي، وافتتاح طرق بحرية جديدة من خلاله، عادت غرينلاند لتثير اهتمام القوى الكبرى في سياق أوسع يُسمى أحيانًا بـ”السباق على القطب الشمالي”. هذا السياق يشمل التنافس على الموارد الجديدة، وطرق الشحن المختصرة بين آسيا وأوروبا عبر شمال روسيا أو كندا، وكذلك التنافس على تعزيز النفوذ العسكري في أقصى شمال الكرة الأرضية. ضمن هذا الإطار الأوسع، ينظر حلف الناتو إلى غرينلاند بوصفها جزءًا من دفاعات الحلف الشمالية، بحكم تبعيتها لمملكة الدنمارك العضو في الناتو. كما أن الاتحاد الأوروبي أصبح يُضمّن المناطق القطبية في سياساته الإستراتيجية المتعلقة بالمناخ والأمن؛ فعدد من دوله (كالدنمارك، والسويد، وفنلندا) لها أراضٍ أو مصالح في الدائرة القطبية.

إن هذه الخلفية الجيوسياسية المكثفة تفسّر سبب اعتبار غرينلاند اليوم أكثر من مجرد جزيرة نائية؛ فهي نقطة ارتكاز إستراتيجية تربط بين أمريكا الشمالية وأوروبا، وتقع على مقربة من المجال الروسي في القطب الشمالي؛ وعليه، فإن أي تغيير في وضعها السياسي أو الأمني قد تكون له تداعيات واسعة على ميزان القوى شمال الأطلسي. هذا الإدراك هو ما يجعل موسكو وواشنطن وعواصم أوروبا تراقب الأوضاع في غرينلاند من كثب، كلٌ من منظوره الخاص.

تنامي الاهتمام الروسي بغرينلاند.. الدوافع والأهداف

ظل اهتمام الاتحاد الروسي بغرينلاند فترة طويلة محدودًا؛ نظرًا إلى كون الجزيرة تابعة لدولة غربية عضو في الناتو، وبعيدة جغرافيًّا عن الأراضي الروسية. خلال الحرب الباردة، ركّز السوفيت جهودهم في القطب الشمالي على تعزيز وجودهم العسكري في مناطقهم القطبية الشاسعة (كشبه جزيرة كولا، وجزر نوفايا زيمليا، وغيرها)، ولم يكن بوسعهم فعليًّا التوغل قرب غرينلاند المحمية أمريكيًّا. لكن مع مطلع القرن الحادي والعشرين، وخصوصًا في العقد الأخير، بدأت موسكو تُظهر اهتمامًا متزايدًا بغرينلاند كجزء من إستراتيجيتها الكبرى في القطب الشمالي.

الدوافع الإستراتيجية الروسية تجاه غرينلاند متعددة، ويمكن تلخيص أبرزها فيما يلي:

مواجهة نفوذ الناتو والولايات المتحدة: ترى موسكو أن القطب الشمالي بات ساحة جديدة للمواجهة غير المباشرة مع الغرب. ومع تعزيز الناتو وجوده قرب الحدود الروسية في أوروبا الشرقية والبلطيق، تبحث روسيا عن طرق لموازنة الضغط من خلال نقل جزء من اللعبة إلى المناطق الطرفية البعيدة عن حدودها المباشرة. غرينلاند، بوصفها إقليمًا يتبع لدولة غربية صغيرة (الدنمارك)، ولكنه ذو أهمية كبرى للولايات المتحدة، تندرج ضمن هذه النظرة. وقد برزت فكرة روسية منذ سنوات مفادها أن مواجهة تمدّد الناتو “لا ينبغي أن تقتصر على حدود روسيا المباشرة؛ بل يجب نقل الصراع إلى أراضي الحلف نفسه”.

في هذا السياق، تُطرح غرينلاند مثالًا: فإذا تمكنت موسكو من تشجيع نزعة استقلال غرينلاند عن الدنمارك، وتقليص الوجود العسكري الأمريكي هناك، فسيُعد ذلك مكسبًا جيوسياسيًّا لروسيا بتكلفة منخفضة نسبيًّا.

الأهمية العسكرية والجغرافية: يدرك الإستراتيجيون الروس أن لغرينلاند موقعًا حيويًّا في هيكلة الدفاعات الغربية، فهي تحتضن محطة رادار للإنذار المبكر (قاعدة ثول) التي تكشف أي إطلاق صاروخي عبر القطب الشمالي باتجاه أمريكا الشمالية. كما تشرف غرينلاند على ممرات شمال الأطلسي البحرية والجوية التي تستخدمها قوات الناتو؛ ومن ثم فإن تقليص النفوذ الأمريكي في غرينلاند -ولو من خلال وسائل غير مباشرة- قد يمنح روسيا حرية حركة أكبر في شمال المحيط الأطلسي. على سبيل المثال، الغواصات الإستراتيجية الروسية التي تنطلق من قواعدها في القطب الشمالي سيكون رصدها أصعب إذا ضعفت قدرات المراقبة الغربية المتمركزة في غرينلاند. كذلك فإن أي وجود صديق لروسيا هناك قد يفتح الباب مستقبلًا لمحطات مراقبة أو تسهيلات لوجستية أقرب إلى المجال الأمريكي.

المكاسب الاقتصادية والموارد الطبيعية: مع أن روسيا تمتلك مساحات قطبية شاسعة غنية بالموارد، فإنها لا تغفل إمكانات غرينلاند المعدنية. تشير تحليلات روسية إلى أن تشجيع انخراط الشركات الروسية في مشروعات التعدين في غرينلاند يمكن أن يكون ورقة رابحة. المعادن النادرة التي تحتويها الجزيرة جذابة للصناعات الروسية المتقدمة، خاصة في ظل التنافس العالمي على هذه الموارد الخاضعة حاليًا إلى حد كبير لهيمنة الصين. فإذا ما تمكنت روسيا من الدخول إلى قطاع التعدين في غرينلاند مستقبلًا (مثلًا من خلال شراكات أو استثمارات إذا أصبح المناخ السياسي ملائمًا)، فسيعزز ذلك أمنها الصناعي، ويكسر احتكار الخصوم لبعض الموارد. أضف إلى ذلك احتمال وجود احتياطيات من النفط والغاز قبالة سواحل غرينلاند. ومع أن التطوير في هذه القطاعات ما زال نظريًّا، فإن روسيا بوصفها أكبر منتج للطاقة في العالم تتابع -من كثب- أي فرص نفطية أو غازية في القطب الشمالي، بما فيها جوار غرينلاند.

 البُعد السياسي والدبلوماسي: مع تزايد النزعة الاستقلالية لدى سكان غرينلاند عن الدنمارك، ترى موسكو فرصة لاختراق دبلوماسي يمكن من خلاله كسب صداقة كيان جديد محتمل؛ فغرينلاند تتمتع بالفعل بتمثيل دبلوماسي محدود في بعض العواصم (لديها مكاتب في واشنطن وبروكسل وآيسلندا وبكين)، وكانت هناك إشارات لإمكانية فتح مكتب تمثيلي أيضًا في موسكو. الدعم الروسي لتطلعات الغرينلانديين -على نحو حذر وغير صدامي مع الدنمارك- قد يكسبها ودّ هذا الشعب الصغير. ومن زاوية أخرى، روسيا حريصة على كسب حلفاء في منتدى مجلس القطب الشمالي، وغرينلاند (من خلال الدنمارك) عضو في هذا المجلس. إذا أصبحت غرينلاند أكثر استقلالية في مواقفها داخل المجلس، أو ربما مستقلة فعليًّا في المستقبل، فقد تميل إلى التنسيق مع روسيا والصين في القضايا القطبية بدلًا من الاصطفاف تلقائيًّا مع موقف الدنمارك والغرب، خاصة أن لغرينلاند مطالبات مشتركة مع روسيا في بعض ملفات سيادة الجرف القاري بالقطب الشمالي.

ترى روسيا في غرينلاند حلقة ضعيفة محتملة في السلسلة الغربية بشمال الأطلسي، يمكن استثمارها لتحقيق مكاسب جيوستراتيجية. وقد ازدادت أهمية هذه الرؤية بعد حدث مفصلي هو طرح الرئيس ترمب عام 2019 فكرة شراء غرينلاند من الدنمارك، فذلك المقترح الأمريكي غير المعتاد أيقظ المخاوف الروسية من خطط أمريكية أحادية في القطب الشمالي، وفي الوقت نفسه أكد لهم مدى القيمة التي يوليها خصومهم لغرينلاند؛ وعليه، بدأت موسكو منذ 2019 بإعادة تقييم سياساتها وتوسيع النقاشات بشأن كيفية الرد على الاهتمام الأمريكي المتصاعد بغرينلاند. واعتبر محللون روس أن مقترح ترمب إنذار مبكر بوجوب الحضور الروسي النشط في هذا الملف؛ كي لا تنفرد واشنطن بالساحة.

التحركات والمشروعات الروسية في المنطقة القطبية

رغم الدوافع السالفة الذكر، تبقى قدرة روسيا على العمل المباشر في غرينلاند محدودة في ظل الواقع السياسي القائم؛ فغرينلاند -كما أسلفنا- تخضع لحماية دنماركية وأمريكية قوية، وأي محاولة اختراق عدائي ستواجه برد حازم من الناتو؛ لذلك اعتمدت موسكو حتى الآن نهجًا حذرًا، وأسلوب القوة الناعمة والتكتيكات غير المباشرة في تعاملها مع غرينلاند، مع تعزيز حضورها العام في القطب الشمالي ككل. ويمكن رصد أبرز التحركات الروسية على عدة مستويات:

عملت موسكو على فتح قنوات تواصل مع السياسيين الغرينلانديين، وتشجيع العلاقات الثقافية والاقتصادية. فعلى سبيل المثال، عندما تولّت روسيا رئاسة مجلس القطب الشمالي (2021- 2023)، حرصت على إبراز دور الأقاليم القطبية التابعة للدول الأخرى، ومنها غرينلاند، كأطراف لها صوت مستقل في مناقشات المجلس. وخلال اجتماع وزاري في ريكيافيك عام 2021، رحّب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بالنهج الجديد لحكومة غرينلاند الساعية إلى أداء دور دولي أكبر، بل دعا المسؤول الغرينلاندي المعني بالشؤون الخارجية (بيليه بروبرغ آنذاك) إلى زيارة موسكو. طُرحت خلال تلك الفترة فكرة افتتاح مكتب تمثيلي لغرينلاند في موسكو، وتعيين قنصل فخري روسي في نوك -عاصمة غرينلاند- وهي خطوات رمزية، لكنها تُظهر استعداد روسيا للاعتراف بغرينلاند بوصفها كيانًا سياسيًّا متميزًا، ودعم حضورها الدبلوماسي. هذه التحركات الروسية الداعمة لاستقلالية صوت غرينلاند جاءت “بتوقيت ذكي” من منظور موسكو، إذ تزامنت مع تغيير سياسي داخلي في الجزيرة عام 2021 تمثل بفوز قوى أكثر تشددًا تجاه الدنمارك، وأكثر حرصًا على موارد غرينلاند (مثل حزب إينويت أتكاتيغيت اليساري المؤيد لفكرة الاستقلال التدريجي). الروس وجدوا في ذلك فرصة لتعزيز هوية غرينلاند المستقلة من خلال دعم معنوي وإعلامي.

استثمرت روسيا في السنوات الأخيرة في حملة إعلامية ناعمة موجهة إلى شعوب المنطقة القطبية، ولم تستثنِ غرينلاند منها. بعض التقارير تشير إلى أن موسكو سعت إلى إبراز مزايا الاستقلال لأهل غرينلاند من خلال منصات إعلامية ومواقع إلكترونية ناطقة بلغات الشمال. الهدف هو تغذية الشعور القومي الغرينلاندي، وتشجيع الأصوات التي تقول إن الجزيرة قادرة على إدارة شؤونها بعيدًا عن الدنمارك. هذه الرسائل تتقاطع مع خطاب محلي قائم أصلًا بين الغرينلانديين الساعين إلى الاستقلال الكامل يومًا ما؛ لذا تحاول روسيا ركوب الموجة بدلًا من صنعها، أي إنها تدعم توجهات موجودة على الأرض، دون أن تظهر بمظهر المتدخل مباشرة. كما أن موسكو حرصت على نفي أي اتهامات غربية بأنها تخطط “للاستيلاء على غرينلاند”، ووصفت هذه المزاعم بأنها مجرد خرافة يروّجها الغرب لإثارة الهلع. بهذا النفي العلني، تحاول روسيا تهدئة المخاوف، وتفادي استعداء أهل غرينلاند الذين لا يرغبون بأن تصبح جزيرتهم ساحة حرب باردة جديدة.

تمتلك روسيا واحدًا من أكبر برامج البحوث القطبية في العالم، مع أسطول كبير من كاسحات الجليد، ومحطات علمية في القطب الشمالي. بعض هذه الأنشطة العلمية تقترب أحيانًا من محيط غرينلاند. فعلى سبيل المثال، رُصدت سفن أبحاث روسية في مياه تبعد نحو 300 ميل بحري عن سواحل غرينلاند، وهو أمر تقول كوبنهاغن إنه يندرج ضمن النشاط العلمي المشروع في أعالي البحار. لكن وجود سفن روسية قرب المنطقة يثير حفيظة الغربيين الذين يتساءلون عن الطابع المزدوج المحتمل لمهامها (علمي أم استطلاع عسكري). يُذكر هنا أن القيادات الدنماركية صرّحت مؤخرًا أنه لم تُسجّل أي سفن حربية روسية أو صينية داخل مياه غرينلاند حتى الآن، في محاولة لطمأنة الرأي العام، رغم توقعها زيادة هذه الأنشطة الروسية في السنوات المقبلة مع ارتفاع الاهتمام الدولي بالمنطقة القطبية. وتربط بعض التقارير بين عمل تلك السفن البحثية ورسم الخرائط البحرية وقاع المحيط، وهي معلومات قد تكون مفيدة عسكريًّا في المستقبل.

بينما لا تملك روسيا وجودًا عسكريًّا على غرينلاند نفسها، فإنها استثمرت بكثافة في إعادة بناء قواعدها العسكرية عبر القطب الشمالي الروسي. خلال العقد الماضي، أنشأت موسكو أو طوّرت قواعد جوية وبرية في جزر فرانز جوزيف ونوفايا زيمليا، وجزر سيبيريا الجديدة، وغيرها. كما نشرت أنظمة دفاع جوي متقدمة ورادارات في الدائرة القطبية، وشيدت مواني عسكرية ومحطات لتحريك كاسحات الجليد المسلحة. هذا الوجود العسكري الروسي المكثف في شمال روسيا يعطيها القدرة على إسقاط القوة في محيط القطب، وربما تهديد الممرات القريبة من غرينلاند عند الأزمات. وقد أجرت القوات الروسية تدريبات تشمل محاكاة أهداف في شمال الأطلسي، وإطلاق صواريخ كروز عبر مسارات قطبية. كل ذلك يُبقي أوروبا والولايات المتحدة في حالة يقظة دائمة لما يحدث “فوق الدائرة القطبية”. ومما يزيد القلق الغربي أن روسيا تتعاون أيضًا مع الصين في بعض الأنشطة القطبية؛ فبكين لديها طموح في المنطقة مع أنها ليست دولة قطبية، وهذا التنسيق الروسي الصيني يُثير مخاوف إضافية لدى حلف الناتو من جبهة مزدوجة شمالية وشرقية.

يمكن القول إن روسيا تعتمد مقاربة طويلة الأمد وهادئة تجاه غرينلاند؛ فهي تُهيئ الأرضية دبلوماسيًّا وإعلاميًّا لاحتمال تغير الوضع السياسي للجزيرة مستقبلًا، وتسعى في الأثناء إلى تعزيز وجودها في جوارها القطبي المباشر لضمان أفضلية إستراتيجية. واللافت أن موسكو ترى أن هذا النهج منخفض التكلفة وعالي المردود المحتمل؛ فمجرد انشغال الغرب بفرضية التغلغل الروسي في غرينلاند يدفعه إلى تخصيص موارد أكبر هناك، ما يعني تشتيت موارده بين جبهات متعددة. أما إذا سنحت فرصة حقيقية لانخراط روسيا اقتصاديًّا أو سياسيًّا في غرينلاند، كأن تنفتح حكومة غرينلاند على عروض استثمارية روسية مستقبلًا، فستكون موسكو حينئذٍ في وضع جاهز للاستفادة.

الاستنتاجات

تظهر غرينلاند اليوم على خريطة العالم بوصفها نقطة ساخنة في صياغة مستقبل التوازنات القطبية. وعلى الرغم من هدوئها الظاهر وعزلتها الجغرافية، فإن التحولات الكبرى من تغير المناخ إلى تغير موازين القوى الدولية جعلتها ساحة تنافس مستترة بين أقوى الدول. في ضوء التحليل السابق، يمكن استخلاص عدد من الاستنتاجات عن مستقبل التنافس الجيوسياسي في غرينلاند والمنطقة المحيطة بها:

أولًا: سيستمر الاهتمام الروسي بغرينلاند في التصاعد ما دام الصراع الإستراتيجي مع الغرب محتدمًا. ستواصل موسكو اتباع نهج حذِر لكنه مثابر، مستغلة أي فرصة لإضعاف نفوذ الناتو هناك، ودعم الأصوات الداعية لاستقلال الجزيرة. قد لا نشهد في المدى المنظور تحركات روسية عسكرية مباشرة تجاه غرينلاند، لكن التغلغل غير المباشر من خلال الاقتصاد أو العلاقات السياسية سيبقى خيارًا مطروحًا. كذلك فإن روسيا ستستخدم ورقة غرينلاند في خطابها الدعائي، سواء لنفي أي نيات عدوانية لديها كما تفعل الآن واصفة القلق الغربي بالمبالغة، أو ربما لاتهام الغرب بازدواجية المعايير (كما فعلت حين رأت أن حديث الناتو عن “التهديد الروسي والصيني لغرينلاند” مجرد ذريعة لتوسيع وجوده العسكري شمالًا).

ثانيًا: ستعزز أوروبا وحلف الناتو حضورها الأمني والتنموي في غرينلاند كإجراء استباقي لقطع الطريق على أي اختراقات. من المتوقع ازدياد التدريبات العسكرية المشتركة في القطب الشمالي ضمن الأراضي الدنماركية، وربما إنشاء مهام مراقبة أطلسية دائمة تجوب الأجواء والمياه حول الجزيرة. هذه الخطوات -برغم تكلفتها- يُنظر إليها على أنها استثمار ضروري لضمان أن يبقى الشمال العالي “منطقة سلمية” تحت مظلة غربية. ومن جهة أخرى، سيتعاون الأوروبيون والأمريكيون على تقديم مزيد من الدعم الاقتصادي والتقني لغرينلاند، سواء من خلال تمويل مشروعات البنية التحتية، أو إشراكها في برامج علمية وتعليمية. الهدف هنا كسب قلوب الغرينلانديين وعقولهم؛ حتى لا ينجذبوا إلى بدائل تقدمها قوى منافسة. وإذا نجح الغرب في إظهار نفسه على أنه شريك التنمية المفضل لسكان الجزيرة، فسيكون من الصعب على روسيا أو غيرها تحدي الوضع القائم.

ثالثًا: ستبقى الولايات المتحدة الضامن الأمني الأول لغرينلاند، لكن ربما بتنسيق أكبر مع الحلفاء، أي إن سيناريو التحرك الأمريكي المنفرد (على طريقة ترمب) ستُستبدل به على الأرجح تحركات جماعية من خلال الناتو. فالدرس المستفاد من أحداث 2019- 2020 هو أن وحدة الصف الغربي هي أعظم قوة في مواجهة الاختراقات؛ لذا من غير المرجح أن تعيد واشنطن طرح فكرة السيطرة الأحادية على غرينلاند، بل ستعمل في إطار متعدد الأطراف. ومع ذلك، ينبغي عدم استبعاد استمرار الولايات المتحدة في تعزيز بنيتها العسكرية في الجزيرة ضمن الاتفاقيات القائمة مع الدنمارك، مثل تحديث رادارات قاعدة ثول، وتوسيع نطاق المهام ليشمل مراقبة أنشطة روسيا في الفضاء القطبي. وربما تزيد الولايات المتحدة عدد قواتها الموجودة على نحو دائم هناك (حاليًا يقيم بضعة مئات من العسكريين الأمريكيين في غرينلاند)؛ لتحسين الجاهزية لأي طارئ. هذه الخطوات -لو اتُخذت- ستكون بالتفاهم الكامل مع الدنمارك، وستُسوّق على أنها جزء من دفاع الحلف الشامل.

رابعًا: مصير غرينلاند السياسي نفسه سيكون عاملًا حاسمًا على المدى البعيد، فهناك سيناريوهات متباينة: إذا استمرت غرينلاند جزءًا من مملكة الدنمارك، مع حكم ذاتي واسع، فسيظل الوضع الراهن إلى حد كبير، مع بقاء مسؤولية الدفاع والنفوذ الأجنبي تحت رقابة مشددة من كوبنهاغن. أما إذا اتجهت غرينلاند نحو الاستقلال التام في المستقبل (وهو مطلب قد يتحقق خلال عقود وفق بعض السياسيين الغرينلانديين) فإن المشهد سيتغير جذريًّا. دولة غرينلاند المستقلة ستضطر إلى بناء تحالفاتها من الصفر، وربما تغازلها قوى شتى، ولن تكون روسيا والصين ببعيدتين عن المشهد حينذاك. سيحاول الغرب بالطبع ضمان أن تأتي الاستقلالية ضمن إطار شراكة مستمرة (على غرار نموذج استقلال النرويج عن السويد في الماضي مع بقائها صديقة)، لكن لا ضمانات أكيدة. أي زلة في تلك المرحلة قد تعني انفتاح الباب لدور روسي أكبر لطالما سعت إليه موسكو؛ لذلك قد يكون من مصلحة أوروبا والولايات المتحدة التفكير من الآن في ترتيبات تجعل حتى غرينلاند المستقلة (إن حدث واستقلت) مرتبطة أمنيًّا بالناتو، أو على الأقل محمية بمعاهدات دفاع واضحة؛ تفاديًا لفراغ قد تستغله موسكو.

خامسًا وأخيرًا: يبدو أن التنافس الجيوسياسي في القطب الشمالي عمومًا آخذ في التصاعد مع ذوبان الجليد، وازدياد إمكانية الوصول. غرينلاند ليست إلا إحدى الساحات ضمن لوحة أكبر تشمل طريق البحر الشمالي الروسي، وجزر سفالبارد النرويجية، وقطاعات ألاسكا وكندا القطبية. كل هذه المناطق ستشهد حضورًا عسكريًّا واقتصاديًّا أكبر من قبل القوى العظمى. التحدي هو إبقاء هذا التزاحم تحت سقف سلمي وتعاوني قدر الإمكان. ومن حسن الحظ أن القطب الشمالي بقي حتى الآن منطقة تعاون نسبي (باستثناء التراشقات الإعلامية) مقارنة بمناطق أخرى ملتهبة كسوريا، أو أوكرانيا، فقد نجحت الدول المعنية في إدارة الخلافات قطبيًّا عقودًا بأسلوب هادئ، بيد أن دخول عوامل جديدة، كطموحات الصين، أو مواقف شخصيات سياسية غير تقليدية، قد يعكر صفو المشهد؛ ومن هنا تظهر أهمية الدبلوماسية والحوار لاستباق أي سوء فهم أو تصعيد. على سبيل المثال، يمكن إحياء فكرة “منطقة خالية من التسلح الثقيل” في أجزاء من القطب الشمالي، أو تعزيز آليات تبادل المعلومات عن التحركات العسكرية؛ لإظهار حسن النية. هذه الإجراءات ستحدّ من الشكوك المتبادلة: فالغرب سيتأكد أن الأبحاث الروسية قرب غرينلاند علمية فعلًا، وليست تمهيدًا عسكريًّا، وموسكو ستقتنع أن تعزيزات الناتو دفاعية وليست استعدادًا لمهاجمتها عبر الشمال.

وفي ختام التحليل، يُمكن القول إن غرينلاند مرشحة لأن تبقى في قلب لعبة الشطرنج الجيوسياسية بين الشرق والغرب في السنوات المقبلة؛ فرهان الروس عليها كحصان طروادة في المعسكر الغربي يقابله إصرار أمريكي- أوروبي على إبقائها في الحضن الأطلسي. وبين هذا وذاك، يظهر لاعب ثالث هي الصين، التي وإن لم تكن محور بحثنا هنا، تراقب وتطمح إلى موطئ قدم اقتصادي في تلك الأرض الغنية؛ لذا فالمعادلة في غرينلاند ليست ثنائية فقط؛ بل متعددة الأطراف. غير أن ما يمنح الأمل هو وعي جميع الأطراف بحساسية هذا الموضع. لقد أطلق ترمب بتصريحاته الجريئة إنذارًا دفع الجميع إلى إعادة تقييم مواقفهم، ولعله جعل الأوروبيين أكثر يقظة، وجعل الغرينلانديين أكثر تمسكًا بحقوقهم، وحتى الروس أكثر حذرًا في خطواتهم. مستقبل التنافس في غرينلاند سيتحدد وفق قدرة هذه الأطراف على تحقيق التوازن: توازن بين حماية الأمن المشترك وعدم استعداء الآخر بلا داعٍ، وتوازن بين استغلال الموارد والحفاظ على البيئة وحقوق السكان، وتوازن بين الطموح الوطني الغرينلاندي والارتباط الإستراتيجي بالحلفاء. إن نجاح المجتمع الدولي في إدارة هذا التوازن سيحدد ما إذا كان القطب الشمالي سيظل “باردًا” بالمعنى الحرفي والمجازي، أو سيشهد سخونة مواجهة جديدة في عصر ما بعد الحرب الباردة.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع