مقالات المركز

موسكو وبكين تراقبان صراع روبيو وفانس وارتباك واشنطن حول استخدام القوة

الحرب على إيران والشرخ داخل معسكر ترمب


  • 17 مارس 2026

شارك الموضوع

نشرت صحيفة بيلد الألمانية يوم 12 مارس (آذار) 2026 تقريرا سياسيا مهما نقلت فيه عن مصادر من داخل الحزب الجمهوري أن معسكر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يشهد انقساما متزايدا حول مستقبل القيادة داخل الحركة الترامبية، حركة ماغا، وحول من يمكن أن يكون المرشح الأوفر حظا لخلافته في انتخابات 2028، إن سمح هو، أي ترمب، بذلك.

التقرير يقول إن كبار الممولين داخل الحزب يميلون إلى دعم وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يصنف كأحد صقور الحزب، والذي أيد شن الحرب على إيران إلى جانب بيت هيغست وزير الحرب، بينما يتمتع جي دي فانس نائب الرئيس بشعبية أكبر داخل القاعدة الجماهيرية وقاعدة أنصار حركة ماغا التي تشكل العمود الفقري السياسي لترمب، والتي أعادته إلى البيت الأبيض.

وفانس، حسب التسريبات، رفض ولا يزال يرفض الحرب على إيران، وليس ذلك حبا في إيران، بل لكونه يرفض تبذير الجهد والقدرات الأمريكية على حروب لا فائدة منها للولايات المتحدة مثل حرب أوكرانيا.

ظهور هذا التسريب في سياق الحرب التي شنها ترمب تحت ضغط نتنياهو على إيران يكشف عن مسألة أعمق من كونه جزءا من التسريبات المعتادة في السياسة الأمريكية، فالحديث من داخل الحزب الجمهوري عن انقسام داخل المعسكر الترامباوي حول طبيعة الدور الأمريكي في العالم، وحدود استخدام القوة العسكرية ومبرراتها، فضلا عن موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي المتغير.

لم تفتح الحرب على إيران جبهة عسكرية في الشرق الأوسط فحسب، بل أحدث شرخا جديدا، وإن كان لا يزال هذا الشرخ رفيعا، لكنه مرئي، داخل سياسة واشنطن.

بالنسبة لموسكو لا يقل هذا الشرخ الرفيع المرئي أهمية عن الجبهة العسكرية نفسها، فهو يبدو جبهة سياسية تُفتح داخل واشنطن، تجعل من الحرب على إيران اختبارا واقعيا لقدرة الولايات المتحدة على إدارة صراع الشرق الأوسط الجديد في نسخة 2026، وهل ستظل النخبة الأمريكية متماسكة وموحدة حول مسألة استخدام القوة العسكرية.

من وجهة النظر هذه يصبح الانقسام داخل معسكر ترمب أكثر من صراع على الخلافة السياسية المحتملة. إنه مرآة لجدل أعمق داخل الولايات المتحدة حول معنى القوة الأمريكية في الوقت الحاضر، وما هي حدود استخدامها في ظل التغيرات والتحولات السريعة التي تحدث في النظام الدولي.

أما لماذا تتابع موسكو هذا الانقسام باهتمام خاص؟ فهو بالطبع سؤال لا يحتاج إلى إجابة، على الأقل لمن يعرف طبيعة العلاقة الحالية بين موسكو وواشنطن.

موسكو لا يهمها الصراعات الداخلية في الحزب الجمهوري كحزب سياسي حاكم الآن في الولايات المتحدة، بل يهمها ما يحمله هذا الصراع من إشارة على تحول أعمق داخل السياسة الأمريكية.

فمن الواضح، ونحن في اليوم السابع عشر من الحرب على إيران، التي كانت في مخيلة ترمب ووزير حربه هيغست ستحسم بنصر باهر خلال أيام معدودات، أقول من الواضح أن هذه الحرب وضعت الإدارة الأمريكية أمام معضلة قديمة تعود إلى ما بعد الحرب على العراق، وهي: هل تستطيع واشنطن الحفاظ على دورها العالمي دون الدخول في حروب طويلة ومكلفة.

التحليلات التي نشرتها الصحف الروسية الكبرى خلال الأيام الأخيرة تشير في مجملها، حسبما فهمتها، إلى أن الحرب الحالية أعادت فتح هذا السؤال بالفعل داخل واشنطن نفسها.

فالانقسام بين التيار الذي يمثله ماركو روبيو والتيار الداعم لجي دي فانس يعكس بلا شك صراعا أوسع داخل النخبة الأمريكية بين مدرستين في السياسة الخارجية: مدرسة ترى أن الحفاظ على الهيمنة الأمريكية يتطلب استخدام القوة العسكرية الغاشمة عند الضرورة. أما المدرسة الثانية، والتي ناظرها الذكي جدا هو جي دي فانس، فترى أن الولايات المتحدة قد استنزفت نفسها بالفعل في حروب الشرق الأوسط بمعناه الكبير، أي بداية من أفغانستان ومرورا بالعراق وختاما جزئيا بسوريا، ولذا عليها تقليص التزاماتها الخارجية.

وإذا نظرنا إلى الأمور من زاوية النظر هذه، فإننا نكون بصدد انقسام داخل معسكر ترمب لا يتعلق فقط بمستقبل القيادة داخل الحزب الجمهوري، ولكن في واقع الأمر يرتبط بمستقبل الاستراتيجية الأمريكية نفسها.

فإذا انتصر التيار التقليدي الذي يمثله روبيو، فإن واشنطن سوف تستمر على الأرجح في سياسة الردع العسكري وإدارة الأزمات الدولية بالقوة.

أما إذا قوي عود التيار الشعبوي الذي يدعم دي فانس، فقد تتجه الولايات المتحدة إلى تقليص انخراطها العسكري في مناطق مثل الشرق الأوسط.

وأهمية حسم هذا التنافس بالنسبة للكرملين أنه سوف يحدد شكل العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة في السنوات المقبلة.

لكن أين الصين؟ المنافس الرئيسي للولايات المتحدة في القرن الحالي، كما تجمع التحليلات. وهل تراقب هذا الانقسام أيضا؟

بلا شك تراقب، وتقول لنا التقارير الآتية من هناك: نعم، تتابع بكين هذا الانقسام داخل واشنطن باهتمام لا يقل عن موسكو. فالصين التي تبنت خلال العقدين الأخيرين تقريبا استراتيجية تقوم على الصعود الاقتصادي التدريجي وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة،

تراقب الانقسامات داخل معسكر ترمب وتنظر إليها بوصفها انقسامات داخل السياسة الأمريكية ستكون بكل تأكيد عاملا مؤثرا في ميزان القوى العالمي، الذي تسعى الصين بكل جهد وذكاء لجعله يميل لصالحها في المستقبل غير البعيد.

العديد من التحليلات التي ظهرت في مراكز الدراسات الصينية، والتي ترجمتها وتنقلها مواقع روسية خلال الأيام الأخيرة، تطرح سؤالا بسيطا وهو: هل لا تزال تستطيع الولايات المتحدة إدارة عدة أزمات كبرى في الوقت نفسه؟ فالحرب في أوكرانيا لم تنته بعد، والتوتر في مضيق تايوان مستمر، وها هي الآن تفتح جبهة جديدة في الشرق الأوسط.

وبالتالي، من هذا المنظور ترى بكين أن أي انقسام داخل النخبة الأمريكية السياسية حول استخدام القوة يمكن أن يحد من قدرة واشنطن على فرض استراتيجية متماسكة على مستوى العالم.

فإذا اختارت واشنطن التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، فإن ذلك سوف يستهلك جزءا معتبرا من مواردها السياسية والعسكرية التي كانت موجهة إلى آسيا. أما إذا اختارت الآن تقليص تدخلها العسكري، فإنها تخاطر بفقدان جزء من نفوذها التقليدي في المنطقة.

وفي كلتا الحالتين تجد الصين نفسها أمام فرصة استراتيجية، إما تقليص الضغط الأمريكي في آسيا أو توسيع دورها الاقتصادي والدبلوماسي، أقصد الصين، في مناطق كانت تقليديا ضمن دائرة النفوذ الغربي، وبالطبع أتحدث عن الشرق الأوسط.

وبالعودة إلى الانقسام داخل معسكر ترمب، أقول إن الحرب على إيران والحرب على أوكرانيا هما جبهتان لجدل واحد، وهذا الانقسام يرتبط أيضا ارتباطا مباشرا بحرب أوكرانيا، فتيار روبيو يرى أن الصراع مع روسيا في أوكرانيا والصراع مع إيران في الشرق الأوسط هما جزء من معركة أوسع حول النظام الدولي والهيمنة فيه.

لذلك، بالنسبة لروبيو وأمثاله، لا تستطيع الولايات المتحدة ولا ينبغي لها التراجع في أي من الجبهتين دون أن تخاطر بفقدان موقعها القيادي في العالم.

لذلك فإن التسريبات التي كشفتها صحيفة بيلد حول المنافسة بين ماركو روبيو وجي دي فانس قد تبدو في ظاهرها جزءا من معركة مبكرة على خلافة ترمب في انتخابات 2028، بعد انتهاء ولايته الثانية. لكن حقيقة ظهورها في أوج الحرب الدائرة مع إيران تكشف عن مسألة أعمق، وهي انقسام الولايات المتحدة نفسها حول معنى القوة الأمريكية وحدود استخدامها.

وختاما أقول، قد لا تحدد الحرب على إيران وحدها شكل الشرق الأوسط القادم، فهو لا محالة سيكون مختلفا، لكنها تكشف عن شيئا أعمق بكثير داخل الولايات المتحدة، خاصة بالنسبة للمراقبين.

فالقوة العسكرية الغاشمة كانت لعقود طويلة، ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي على وجه الخصوص، الأداة الرئيسية للسياسة الأمريكية. لكنها اليوم أصبحت موضع جدل داخلي وحاد.

وبينما تتشكل نتائج الحرب المشتعلة في سماء الخليج الآن، والتي لا يمكننا معرفة شكلها، أي النتائج، في لحظة كتابة هذه السطور.. فأفضل التوقعات، في رأيي، ليست أكثر من احتمالات غير يقينية.

يتشكل جزء من مستقبلها أيضا داخل واشنطن، حيث يدور الصراع الحقيقي حول سؤال أكبر وهو: كيف تستخدم الولايات المتحدة قوتها في عالم من الواضح تماما أنها لم تعد تهيمن عليه وحدها منفردة.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع