
تشرف منطقة الشرق الأوسط على دخول أخطر مرحلة منذ تعثر التهدئة الأمريكية الإيرانية، ومع ذلك، هناك بعض الجهود الدبلوماسية الحثيثة التي يجري تبنيها هذه الأيام، وبعضها غير ظاهر في العلن، يؤمل أن تؤدي إلى تأجيل الضربة الأمريكية الواسعة المحتملة جدا على إيران أو منعها، وهو ما أستبعده من واقع التطورات الجارية على الأرض في هذا الإقليم المنكوب.
بالطبع، تبادل التهديدات بين واشنطن وطهران خلال الفترة الأخيرة، وآخرها أمس السبت 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، ليس هو الجديد الذي يستحق أن نشير إليه في تناولنا لتطورات المواجهة الأمريكية الإيرانية، ولكن الجديد هو تزامن الاستعدادات العسكرية الأمريكية الواضحة لشن عملية باتت محتملة جدا بعد انتخابات التجديد النصفي، التي تجري بعد يومين من كتابة هذه السطور، يوم الثلاثاء 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، مع اتصالات وتحركات دبلوماسية مكثفة تقودها قطر، وتدعمها وتساندها مصر والسعودية وتركيا وباكستان.
وكل هذه الدول التي تسعى من خلال جهود الوساطة تعلن أن الهدف المباشر منها هو التوصل إلى تفاهم يمنع استئناف الحرب الجوية الواسعة، وهو ما نترجمه عمليا بأن الأطراف إما لديها علم بأن الضربة قادمة لا محالة، أو تشعر باقترابها كما نشعر نحن كمراقبين للوضع. فضلا عن ذلك، يأتي الهدف الثاني لهذه الجهود متزامنا، وهو معالجة أزمة مضيق هرمز، وفك الحصار البحري الأمريكي على إيران، مع إيجاد سبل لحلحلة مسألة البرنامج النووي الإيراني.
موقع أكسيوس الأمريكي، المقرب من دوائر صنع القرار في واشنطن، أفاد أمس السبت، 31 أكتوبر (تشرين الأول)، بأن الوسطاء القطريين أجروا أكثر من 12 ساعة من المحادثات في طهران يوم الجمعة 30 أكتوبر (تشرين الأول)، مع استمرار اتصالاتهم المباشرة بالبيت الأبيض طوال هذه الاجتماعات. وهناك معلومات تفيد بوجود مؤشرات على تقدم، لكنه لم يصل بنا بعد إلى اتفاق نهائي.
كما توجد معلومات من مصادر دبلوماسية تفيد بإمكانية مشاركة وفد أمريكي في محادثات محتملة بالدوحة، وباحتمال تقديم ضمانات روسية وصينية للتفاهم المحتمل بين الجانبين المتصارعين.
المثير في هذا السياق هو تصريحات الرئيس ترامب، الذي قال يوم الجمعة 30 أكتوبر (تشرين الأول) مجددا إن الحرب مع إيران ستنتهي قريبا، هكذا وبصيغة توكيدية كتلك التي عودنا عليها، لكنه لم يحدد لنا كيف ستنتهي أو متى بالتحديد. ما أكده هو استمرار مطالبته بضمان عدم امتلاك إيران سلاحا نوويا.
وبالتالي، يتركنا الرجل ويترك العالم كله في حيرة: هل سينفذ بالفعل ضربته المحتملة على إيران يوم 4 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، كما أفادت تقارير أمريكية بأن واشنطن أبلغت حلفاءها في الإقليم باحتمال تنفيذ هذه الضربة بعد الانتخابات مباشرة؟ وهل يعني ذلك بالفعل صدور قرار نهائي بالهجوم رغم كل الجهود التي تبذل للحيلولة دونه؟
في الحقيقة، ليس لدي جواب عن هذه الأسئلة، ولا أعتقد أن أحدا يتعامل مع ترامب يملك هذه الأجوبة. لكن ما لا شك فيه لدي هو أن الخيار العسكري بات مطروحا بقوة مجددا في ذهن ترامب، وأنه أصبح جزءا مباشرا من الضغط على طهران خلال المفاوضات الجارية الآن، وكأنه سيف مسلط على عنق مجتبى خامنئي وحرسه الثوري.
وبالتالي، وبما أننا نتوقع هذه الضربة وأنها قادمة لا محالة، فكيف سيكون شكلها؟ وهل ستكرر الضربات الأولى التي استمرت من 28 فبراير (شباط) حتى 8 أبريل (نيسان)، أم ستكون مختلفة؟ من واقع التقارير الأمريكية المنشورة، وأهمها تقرير لأكسيوس يوم 28 أكتوبر (تشرين الأول)، يبدو أن طبيعة العملية العسكرية المطروحة هذه المرة ستكون أكثر خطورة من جولات القصف المحدودة السابقة.
فالمعلومات المتاحة تقول إن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين ناقشوا تنفيذ ضربات تستمر نحو أسبوع على إيران، وتستهدف مواقع مرتبطة بالقيادة الإيرانية والبرنامج النووي والطاقة والبنية التحتية. ومن الواضح أن ترامب يمنح نفسه فرصة أخيرة لإنهاء المهمة بأي شكل كان، وهنا مكمن الخطر، ليس على إيران، ولكن على دول المنطقة، وتحديدا دول الخليج ومنشآتها النفطية ومحطات تحلية المياه بها، من رد الفعل الإيراني بعد تنفيذ الضربة.
لذلك تأتي أهمية التحرك السعودي والتركي والباكستاني إلى طهران يوم 26 أكتوبر (تشرين الأول)، حيث التقى كبار مسؤولي هذه الدول الثلاث بالقيادة الإيرانية. وكان هذا أول اجتماع مشترك بهذا الشكل وعلى هذا المستوى بين هذه الأطراف وإيران. فقد حضر الاجتماع وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني الفريق عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركية المقرب من أردوغان، إبراهيم قالن. واستضافهم بالطبع أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، وهو الشخصية الإيرانية المحورية جدا الآن في المشهد الإيراني.
سيكون من السذاجة القول إن هدف هذه المبادرة الإقليمية، بزيارة إيران ولقاء رضائي، هو مجرد إقناع إيران بالتراجع عن مواقفها، لأن ذلك غير منطقي، ولكن تليين الموقف الإيراني يتطلب في الوقت نفسه منع واشنطن من اتخاذ قرار عسكري قد يدفع المنطقة كلها إلى الحرب. السعودية تطالب ترامب بعدم التسرع في شن الهجوم الجديد، وتطالبه بإعطاء الوساطة المزيد من الوقت، لكن إسرائيل ونتنياهو خصوصا، في هذه المرحلة، يضغطان عليه بقوة للإقدام على تنفيذ الضربة.
وبينما تشير المعلومات التي لدينا إلى أن الوفد الثلاثي نقل إلى طهران تصورا يتضمن ترتيبات متبادلة لخفض التصعيد، يمكن أن تشارك الدول الإقليمية في ضمان تنفيذها، فإن المشكلة الرئيسية تكمن، في رأيي، في أنه لا يوجد حتى الآن إعلان رسمي عن اتفاق إقليمي يمنع استخدام القواعد الأمريكية في الخليج لتنفيذ ضربات ضد إيران.
كما أنه لا يوجد تعهد إيراني شامل بعدم مهاجمة دول الجوار في حال تعرض إيران لضربة أمريكية. ولذلك، تبقى هذه الأفكار التي نوقشت في طهران يوم 26 أكتوبر (تشرين الأول) مجرد مقترحات محتملة، وليست بحال من الأحوال التزامات نافذة.
وفي الوقت نفسه، حذر المرشد الإيراني مجتبى خامنئي من أن الرد على أي هجوم أمريكي أو إسرائيلي جديد لن يكون مقيدا بحدود جغرافية. وعطف على ذلك مسؤولون عسكريون إيرانيون بالتأكيد على متابعة التحركات الأمريكية في المنطقة ورفع الاستعداد القتالي.
هذه التصريحات تمثل، حسب فهمي لها، محاولة ردع إيرانية، تريد طهران من خلالها إبلاغ واشنطن بأن الضربة المقبلة، إذا استهدفت القيادة أو الطاقة أو البنية التحتية، فسوف تستدعي ردا يتجاوز الأراضي الإيرانية والإسرائيلية إلى المصالح الأمريكية في كل المنطقة.
بالطبع، نحن لا يمكننا بحال من الأحوال الجزم بذلك، ولا يوجد بين أيدينا ما يدل على أن هذا الكلام معناه أن إيران قد اتخذت قرارا مسبقا بمهاجمة دولة خليجية بعينها ردا على الهجوم الأمريكي المحتمل. لكن ما لا شك فيه هو أن الرد الإيراني على الضربة سوف يطال كل الإقليم، وستكتوي المنطقة كلها بآثاره بهذا الشكل أو ذاك.
وبما أنني أكتب هذا الكلام من موسكو، ومن على بعد بضع مئات من الأمتار من الكرملين، فلا بد أن أتناول قليلا الموقف الروسي، الذي شهد هو الآخر خلال الأيام الماضية نشاطا دبلوماسيا مهما في هذا الملف. فقد التقى وزير الخارجية سيرغي لافروف القيادة الإيرانية في طهران يوم 19 أكتوبر (تشرين الأول)، وأكد حينها مجددا استعداد موسكو للمساعدة في تسوية الأزمة، مع توسيع التنسيق الثنائي في المجالات السياسية والاقتصادية والطاقة والنقل.
ثم جاءت محادثات بوتين وبزشكيان في موسكو يوم 27 أكتوبر (تشرين الأول)، على هامش القمة الثامنة لمنتدى الدول المصدرة للغاز، وكنت موجودا في قاعة المنتدى، وعلى بعد خطوات قليلة من بوتين وبزشكيان، وتابعت بعناية ما تناولته المحادثات مما أعلن بالطبع. فقد أكد اللقاء بين الرجلين استمرار التواصل المباشر على أعلى مستوى، وكرر بوتين مجددا الموقف الرسمي الروسي، الذي ينص على أن التسوية السياسية تبقى أولوية، مع رفض موسكو العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران.
لكن الجديد في الدور الروسي هو احتمال المشاركة في ضمان أي اتفاق أمريكي إيراني. فالمعلومات التي لدينا تفيد بأن روسيا والصين مطروحتان بوصفهما ضامنتين للتفاهم الجاري بحثه، لكن هذه المعلومة لم تتأكد رسميا حتى لحظة كتابة هذه السطور.
وما أستطيع قوله، وهو تحليل وليس معلومات، وفق فهمي الشخصي طبعا للموقف الروسي، هو أن موسكو لديها مصلحة مباشرة في إنجاح أي تسوية جديدة بين واشنطن وطهران، لأن ذلك سوف يسمح لها ليس فقط بالحفاظ على إيران شريكا استراتيجيا مهما في المنطقة، وإنما أيضا بإعادة تنشيط المشروعات الاقتصادية وممر النقل الدولي شمال-جنوب، الذي تروج له موسكو وتحتاجه بقوة لتسيير تجارتها والتخلص من الاعتماد على الأوروبيين تماما.
غير أن العقبة الأساسية أمام الاتفاق لم تتغير، رغم التحرك الدبلوماسي الأخير، وهي تكمن في أن واشنطن تريد معالجة مخزون اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب وفتح المنشآت أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بينما تطالب طهران أولا بإنهاء الحصار البحري وتخفيف العقوبات والإفراج عن بعض أموالها المجمدة.
التقارير التي اطلعت عليها وأنا أجمع مادة المقال تتحدث عن إمكانية ترتيب خطوات متزامنة خلال سبعة أيام، تشمل إجراءات نووية إيرانية مقابل تخفيف الضغوط الأمريكية وإعادة فتح هرمز، غير أن الخلاف على ترتيب الالتزامات وضمان عدم العودة إلى الحرب لا يزال قائما.
وبناء على كل هذا الكلام أعلاه، أقول إن الأيام الثلاثة القادمة ستحدد شكل المنطقة والمرحلة المقبلة. وما أرمي إليه هو أنه إذا نجحت الوساطة القطرية، مدعومة بالجهد المصري والسعودي والتركي والباكستاني، في الحصول على موافقة مبدئية من الطرفين قبل انتخابات الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، فقد تتجه الأمور إلى إعلان استئناف المفاوضات المباشرة، بل وربما التوصل إلى اتفاق مرحلي محدود يوقف التصعيد ويؤجل القضايا الأصعب.
أما إذا فشلت، فإن احتمال العودة إلى الضربات الأمريكية الواسعة سيصبح هو السيناريو القادم بقوة، مع وجود خيارات عسكرية أعدها البنتاغون.
والسيناريو الأخطر في كل هذه العملية هو استهداف منشآت الطاقة أو القيادة الإيرانية، وما سوف يستتبعه من رد إيراني على المصالح الأمريكية والبنية التحتية الإقليمية في دول الخليج العربي. وفي هذه الحالة، ستجد دول الخليج نفسها داخل مواجهة لم تردها ولا تريدها، رغم كل جهودها المضنية الحالية لمنعها.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير