
في 4 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، عادت الجرافات الإسرائيلية إلى العمل غرب قرية العشة في ريف القنيطرة الجنوبي، لاستكمال ما يعرف بخط “سوفا 53″، وهو طريق عسكري بعرض ثمانية أمتار تقريبا، وخنادق عميقة، وسواتر ترابية يقارب ارتفاعها خمسة أمتار. وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، كانت دمشق ترسل تعزيزات إلى خطوط التماس في ريف السويداء، وتتحدث عن هجوم وشيك لفصائل محلية تقول إنها تتلقى دعما إسرائيليا.
يلخص الحدثان المفارقة التي تواجهها الدولة السورية اليوم، فهي تعيد بناء مؤسساتها وتفاوض على عودة الاستثمارات، في حين يتحول جنوبها إلى ساحة تختبر فيها القوى الإقليمية حدود سيادتها. وهنا يبرز تساؤل رئيسي: هل يمكن أن ينتقل الجنوب السوري من ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية إلى صيغة توازن أمني قابلة للاستمرار؟ وما الذي تستطيع موسكو وأبوظبي تقديمه فعليا لتحقيق هذا الانتقال؟
يمثل الجنوب السوري منطقة جغرافية محدودة نسبيا، تتقاطع فيها حدود ثلاث دول وأربعة ملفات أمنية على الأقل. ففي القنيطرة، يمتد خط وقف إطلاق النار الذي حددته اتفاقية فصل القوات لعام 1974، إلى جانب منطقة الفصل التي تراقبها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (أندوف). وفي درعا، يمر طريق التجارة والعبور إلى الأردن، بينما يعيش في السويداء الجزء الأكبر من دروز سوريا. ويطل جبل الشيخ على دمشق وسهل حوران في آن واحد.
ولا بد هنا من التمييز بين مستويين من الوجود الإسرائيلي. يتمثل الأول في احتلال الجولان منذ عام 1967، وهو احتلال لا يعترف المجتمع الدولي بشرعيته. أما الثاني، فيتمثل في التقدم العسكري الذي بدأ في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024، عندما دخلت القوات الإسرائيلية منطقة الفصل وقمة جبل الشيخ ومواقع مجاورة داخل الأراضي السورية.
ويمثل المستوى الثاني موضوع التفاوض الجاري، وهو ما يعيد اتفاقية فصل القوات إلى صدارة الترتيبات الأمنية. ففي 25 يونيو (حزيران) 2026، جدد مجلس الأمن بالإجماع ولاية قوة أندوف حتى نهاية العام، بموجب القرار 2824، مشددا على ضرورة التزام الطرفين الكامل باتفاق عام 1974، ومنع أي نشاط عسكري داخل منطقة الفصل.
وعليه، فإن الإطار القانوني المنظم للوضع الأمني لا يزال قائما، بينما تغير ميزان القوة على الأرض، وهو ما يفسر الفجوة بين الالتزامات الدولية والواقع الميداني.
تقدم إسرائيل وجودها العسكري في الجنوب السوري باعتباره إجراء دفاعيا يستهدف منع تمركز جماعات مسلحة بالقرب من الجولان، والحيلولة دون عودة النفوذ الإيراني، ومراقبة إعادة بناء الجيش السوري، ومنع تحول الأراضي السورية إلى عمق عسكري لتركيا.
ويضاف إلى هذه الاعتبارات ملف الدروز، الذي تقدمه الحكومة الإسرائيلية باعتباره التزاما أمنيا وسياسيا تجاه طائفة لها امتداد داخل إسرائيل.
غير أن التطورات الميدانية تشير إلى أن النشاط الإسرائيلي يتجاوز الإجراءات الدفاعية المؤقتة. فقد رصد المرصد السوري لحقوق الإنسان 384 عملية إسرائيلية في الجنوب خلال النصف الأول من عام 2026، شملت توغلات ومداهمات واعتقالات وتجريف أراض.
وفي سبتمبر (أيلول) 2026، وصفت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا النشاط الإسرائيلي بأنه أصبح أكثر رسوخا واستمرارية، في ظل إنشاء شبكة من الحواجز والمواقع العسكرية الثابتة.
وتشير هذه المعطيات إلى احتمال انتقال الوجود الإسرائيلي من إجراءات أمنية محدودة إلى ترتيبات ميدانية طويلة الأمد، بما يثير تساؤلات بشأن أهدافه النهائية وتأثيره في السيادة السورية.
أما السويداء، فلا يمكن اختزال مواقف سكانها في توجه سياسي واحد. فبينما يسيطر “الحرس الوطني” المرتبط بالشيخ حكمت الهجري على مدينة السويداء، ويعلن تقاربه مع إسرائيل، توجد داخل الطائفة الدرزية تيارات ترفض هذا التوجه.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2026، نفى مصدر عسكري درزي تقارير تحدثت عن إنشاء قاعدة إسرائيلية في ريف المحافظة. وتأتي هذه التطورات في ظل تداعيات أحداث يوليو (تموز) 2025، التي أسفرت عن مقتل نحو 1700 شخص، وترافقت مع غارات إسرائيلية استهدفت مواقع حكومية، بينها مبنى وزارة الدفاع في دمشق.
لكن السؤال الأهم يتعلق بقدرة السياسة الإسرائيلية على تحقيق أمن طويل الأمد. فمن الناحية العسكرية، يمنح التفوق الإسرائيلي حرية حركة واسعة وقدرة على حسم المواجهات المحدودة، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى تعميق المعضلة الأمنية.
فكل إجراء عسكري إسرائيلي يزيد شعور دمشق بالانكشاف، ويدفعها إلى البحث عن دعم خارجي من موسكو أو أنقرة، وهو ما قد تعتبره إسرائيل تهديدا إضافيا يستدعي مزيدا من التدخل.
وتبرز غارة قاعدة أبو الظهور في ريف إدلب، خلال أغسطس (آب) 2026، مثالا على هذه المعادلة. فقد بررت إسرائيل العملية بالسعي إلى منع انتشار عسكري تركي، بينما أسهمت في تعطيل قنوات الاتصال مع دمشق، ما يعكس محدودية القوة العسكرية في إنتاج تفاهمات أمنية مستقرة.
تخوض دمشق المفاوضات من موقع يتسم بمحدودية قدراتها العسكرية، في ظل استمرار إعادة بناء الجيش السوري، وتدمير جزء كبير من المعدات العسكرية الثقيلة خلال الغارات الإسرائيلية التي أعقبت سقوط النظام السابق.
ولذلك، فضلت الحكومة السورية المسار التفاوضي على المواجهة العسكرية المباشرة، وطرحت مجموعة من المطالب المحددة، تشمل انسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط ما قبل 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024، ووقف الضربات والتوغلات، وإعادة تفعيل اتفاق فصل القوات لعام 1974.
وقد شهد المسار التفاوضي تقدما ملحوظا خلال الأشهر الماضية. ففي 6 يناير (كانون الثاني) 2026، صدر في باريس بيان أمريكي سوري إسرائيلي أعلن إنشاء آلية مشتركة تحت إشراف واشنطن، لتبادل المعلومات وخفض التصعيد.
وفي أغسطس (آب)، صرح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لوكالة رويترز بأن الطرفين توصلا إلى تفاهمات بشأن معظم بنود الاتفاق، لكن تنفيذها ظل مرتبطا بالانسحاب الإسرائيلي.
غير أن المفاوضات تعرضت للتجميد عقب اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير (شباط)، قبل أن تتوقف قنوات الاتصال بعد غارة أبو الظهور. وفي سبتمبر (أيلول)، أشار الرئيس السوري أحمد الشرع إلى أن التفاهمات بلغت في إحدى مراحلها نحو 90% من القضايا المطروحة.
وهنا ينبغي التمييز بين أربعة مستويات مختلفة: الاتفاق الأمني المحدود، والتسوية السياسية، ومعاهدة السلام، والتطبيع الدبلوماسي.
فالمفاوضات الحالية تتركز على المستوى الأول، ولا يعني إحراز تقدم فيه الانتقال تلقائيا إلى المستويات الأخرى.
كذلك، فإن نجاح أي اتفاق أمني يظل مرتبطا بمدى استجابته لاحتياجات السكان المحليين. فأهالي القنيطرة ودرعا يواجهون تداعيات التوغلات والاعتقالات وتجريف الأراضي، بينما يحتاج سكان السويداء إلى ضمانات أمنية وسياسية حقيقية في أعقاب أحداث عام 2025.
وقد نصت خريطة الطريق التي أقرتها سوريا والأردن والولايات المتحدة في 16 سبتمبر (أيلول) 2025 على المحاسبة والتعويض والمصالحة، لكن الإدارة المحلية في السويداء رفضتها، وظل تنفيذها محدودا بعد مرور أكثر من عام.
ومن ثم، فإن استعادة الاستقرار تتطلب الجمع بين الترتيبات الأمنية على الحدود ومعالجة الانقسامات الداخلية، بما يمنع تحول الجنوب إلى منطقة توتر دائم.
تمتلك روسيا خبرة سابقة في إدارة الترتيبات الأمنية في الجنوب السوري. فخلال الفترة 2018-2024، انتشرت الشرطة العسكرية الروسية في مواقع قريبة من منطقة الفصل، وأدارت موسكو مع إسرائيل آلية لمنع الاحتكاك العسكري، خاصة في المجال الجوي.
وتمنح هذه التجربة روسيا خبرة ميدانية وقنوات اتصال مباشرة مع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، لكنها تكشف أيضا حدود قدرتها على ضبط التوازنات الأمنية، بعدما توسعت الجماعات المدعومة من إيران في الجنوب خلال سنوات وجودها.
واللافت أن السلطات السورية الجديدة أبدت اهتماما باستعادة الدور الروسي. ففي أغسطس (آب) 2025، تحدثت صحيفة كوميرسانت الروسية عن رغبة دمشق في استئناف دوريات الشرطة العسكرية الروسية، وفي 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، أجرى وفد عسكري روسي سوري جولة استطلاعية في ريف القنيطرة.
لكن هذه التحركات لم تتحول إلى انتشار فعلي. ويقدر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن موسكو جمدت المسعى مطلع عام 2026، عقب اعتراضات إسرائيلية خلال مشاورات ثنائية.
وعليه، فإن الحديث عن عودة روسية إلى الجنوب لا يزال يتعلق بمقترحات واتصالات استطلاعية، وليس بترتيبات أمنية دخلت حيز التنفيذ.
في المقابل، شهدت العلاقات الروسية السورية تطورات مهمة. ففي 9 أغسطس (آب) 2026، وقع البلدان مذكرة تفاهم لإعادة تنظيم الوجود الروسي في قاعدتي حميميم وطرطوس، تتولى سوريا بموجبها الإدارة المدنية، مع تحويل المنشآت العسكرية إلى مراكز تدريب مشتركة.
وفي اتصال هاتفي جرى في 26 أغسطس (آب)، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعمه لوحدة الأراضي السورية ورفضه الهجمات الإسرائيلية.
ويكتسب الربط بين الوجود الروسي على الساحل وإمكان عودته إلى الجنوب أهمية استراتيجية. فالقواعد الروسية في حميميم وطرطوس تمثل إحدى أهم أدوات حضور موسكو في شرق المتوسط، بينما قد يمنحها الاضطلاع بدور أمني في الجنوب وظيفة جديدة تبرر استمرار وجودها العسكري أمام السلطات السورية.
وبهذا المعنى، لا تبحث موسكو عن توسيع نفوذها فحسب، بل تسعى أيضا إلى إعادة تعريف دورها في سوريا، بحيث يتحول من ارتباط بالنظام السابق إلى شراكة أمنية مع الدولة الجديدة.
ومع ذلك، تواجه روسيا قيودا واضحة. فالحرب في أوكرانيا تستنزف مواردها العسكرية، وإسرائيل تعارض أي انتشار قد يؤثر في حرية عملياتها، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بالدور الرئيسي في إدارة المفاوضات السورية الإسرائيلية.
لكن موسكو تمتلك ورقة دبلوماسية مهمة، تتمثل في مشاركتها مع واشنطن في صياغة قرارات تجديد ولاية قوة أندوف خلال ديسمبر (كانون الأول) 2025 ويونيو (حزيران) 2026.
ومن ثم، قد يكون الدور الروسي الأكثر واقعية هو المشاركة في ضمان ترتيبات أمنية ضمن إطار أممي، وبالتنسيق مع الولايات المتحدة، بدلا من محاولة الانفراد بإدارة الملف.
تمتلك الإمارات مجموعة من المقومات التي تمنحها قدرة محتملة على المساهمة في خفض التصعيد في الجنوب السوري، أبرزها علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل منذ اتفاقيات أبراهام، وتطور علاقاتها مع السلطات السورية الجديدة، إلى جانب شراكاتها السياسية والاقتصادية مع الولايات المتحدة وروسيا.
وفي مايو (أيار) 2025، نقلت وكالة رويترز عن ثلاثة مصادر أن أبوظبي أنشأت قناة اتصال غير معلنة بين سوريا وإسرائيل، عقب زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى الإمارات في 13 أبريل (نيسان).
لكن مساعدة وزير الخارجية الإماراتي لانا نسيبة نفت هذه المعلومات بصورة قاطعة، بينما أقر الشرع، خلال زيارته إلى باريس، بوجود مفاوضات غير مباشرة عبر وسطاء، دون تحديد هوياتهم.
وبناء على ذلك، ينبغي التمييز بين الرواية الصحفية والموقف الرسمي الإماراتي، وعدم التعامل مع الحديث عن وساطة إماراتية باعتباره حقيقة مؤكدة.
في المقابل، أصبح الموقف الإماراتي المعلن تجاه التطورات في الجنوب السوري أكثر وضوحا خلال عام 2026.
فقد أدانت وزارة الخارجية الإماراتية التوغلات الإسرائيلية في القنيطرة ودرعا في 30 يونيو (حزيران)، والغارة على قاعدة أبو الظهور في 19 أغسطس (آب)، وأعمال إنشاء خط “سوفا 53” في 5 أكتوبر (تشرين الأول)، معتبرة هذه التحركات انتهاكا للقانون الدولي واتفاق فصل القوات لعام 1974.
ويمنح هذا الموقف أبوظبي رصيدا سياسيا لدى دمشق، لكنه قد يفرض في الوقت نفسه قيودا على قدرتها على التحرك بين الطرفين.
وتتمثل القيمة المحتملة للدور الإماراتي في الجمع بين الاتصال السياسي والقدرة الاقتصادية، بما يسمح بتحويل أي تفاهم أمني إلى مشروعات تنموية وخدمية ملموسة في درعا والقنيطرة، تشمل الكهرباء والمياه والبنية التحتية وفرص العمل.
وقد يسهم هذا المسار في تعزيز مصالح السكان المحليين في الحفاظ على الاستقرار، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الانسحاب العسكري أو الضمانات الأمنية المطلوبة.
كذلك، فإن نجاح أي دور إماراتي يتطلب موافقة سورية واضحة، حتى لا ينظر إليه باعتباره تدخلا خارجيا في ترتيبات السيادة والأمن الداخلي.
أما التصور القائم على تولي موسكو الجانب الأمني، مقابل اضطلاع أبوظبي بالدور السياسي والاقتصادي، فيظل احتمالا تحليليا يحتاج إلى اختبار عملي، خاصة فيما يتعلق باستعداد إسرائيل لقبول مشاركة أطراف أخرى إلى جانب الولايات المتحدة.
لا توجد حتى الآن مبادرة روسية إماراتية مشتركة معلنة بشأن الجنوب السوري، لكن يمكن تصور صيغة تكاملية تجمع أدوار الطرفين ضمن إطار تفاوضي تقوده الولايات المتحدة.
في هذه الصيغة، تتولى روسيا الجوانب العسكرية والفنية، مستفيدة من خبرتها في منع الاحتكاك وتبادل المعلومات مع الجيش الإسرائيلي، مع إمكان مشاركتها في ترتيبات مراقبة ميدانية إذا وافقت الأطراف المعنية، وتحت مظلة قوة أندوف.
أما الإمارات، فيمكن أن تضطلع بتسهيل الاتصالات السياسية، وتمويل إجراءات بناء الثقة، ودعم مشروعات الإغاثة وإعادة الخدمات الأساسية.
وتحتفظ الولايات المتحدة بإدارة المفاوضات وأدوات الضغط الدبلوماسي، بينما يمكن للأردن، بحكم موقعه الجغرافي ومصالحه الأمنية المباشرة، استضافة آلية تنسيق إقليمية في عمان.
وتوفر الأمم المتحدة الإطار القانوني والمؤسسي الذي يمنح هذه الترتيبات الشرعية الدولية.
ويمكن تقسيم المسار المقترح إلى ثلاث مراحل مترابطة:
المرحلة الأولى: احتواء التصعيد. وتشمل وقف التوغلات والضربات العسكرية، وإعادة تفعيل آلية التنسيق التي جرى الاتفاق عليها في باريس، واتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المدنيين في القرى الحدودية.
المرحلة الثانية: بناء ترتيبات أمنية قابلة للتحقق. وتتضمن العودة إلى الالتزامات المنصوص عليها في اتفاق عام 1974، ووضع جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي من المواقع التي دخلتها القوات الإسرائيلية بعد ديسمبر (كانون الأول) 2024، مع تعزيز دور أندوف وتبادل المعلومات بصورة منتظمة.
المرحلة الثالثة: تثبيت الاستقرار المحلي. وتشمل دعم المصالحة في السويداء وفق خريطة طريق عام 2025، وإعادة الخدمات الأساسية، وتنشيط الاقتصاد المحلي، مع ضمان عدم تحول الترتيبات الأمنية المؤقتة إلى وضع دائم يمس السيادة السورية.
غير أن تنفيذ هذه الصيغة يواجه عقبات سياسية وأمنية متعددة، أبرزها انعدام الثقة بين إسرائيل وروسيا، واستمرار التوتر بين دمشق وتل أبيب، فضلا عن تحفظ واشنطن المحتمل على توسيع دائرة الأطراف المشاركة في ملف تتولى إدارته مباشرة.
ومن ثم، قد يكون المسار الأكثر قابلية للتطبيق هو التدرج، بحيث تبدأ المساهمة الروسية والإماراتية في الملفات الأقل حساسية، مثل المساعدات الإنسانية ومنع الحوادث العسكرية، قبل الانتقال إلى ترتيبات أكثر تعقيدا تتعلق بالمراقبة والانتشار الميداني.
في ضوء المعطيات العسكرية والسياسية الراهنة، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الجنوب السوري خلال الأشهر المقبلة.
السيناريو الأول: التوصل إلى تفاهم أمني محدود.
يقوم هذا السيناريو على استئناف المفاوضات السورية الإسرائيلية، وإعادة تفعيل آلية التنسيق، والتوصل إلى وقف جزئي للتوغلات والعمليات العسكرية، دون حسم جميع القضايا المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي.
وتدعم هذا الاحتمال رغبة واشنطن في تحقيق تقدم دبلوماسي إقليمي، إلى جانب اقتراب موعد تجديد ولاية قوة أندوف في ديسمبر (كانون الأول) 2026.
السيناريو الثاني: استمرار الاستنزاف والتوتر الميداني.
يفترض هذا السيناريو استمرار التوغلات الإسرائيلية، واستكمال إنشاء خط “سوفا 53″، مع احتمال تجدد المواجهات في السويداء، وما قد يترتب عليها من تدخلات عسكرية إسرائيلية إضافية.
وتعزز هذا الاحتمال تداعيات المواجهة الإقليمية مع إيران، والحسابات السياسية والأمنية الداخلية في إسرائيل، فضلا عن استمرار ضعف القدرات العسكرية السورية.
السيناريو الثالث: التوصل إلى تفاهم إقليمي أوسع.
يتضمن هذا السيناريو التوصل إلى ترتيبات أمنية وسياسية بمشاركة أمريكية وأممية، مع أدوار روسية وإماراتية مكملة، بما يسمح بربط الانسحاب الإسرائيلي بآليات مراقبة وضمانات أمنية وإجراءات لإعادة الاستقرار المحلي.
لكن هذا السيناريو يواجه تحديات كبيرة، في مقدمتها ضعف الثقة بين الأطراف، وتباين مصالح القوى الإقليمية والدولية، وصعوبة التوصل إلى توافق بشأن طبيعة الضمانات المطلوبة.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو الجمع بين السيناريوهين الأول والثاني احتمالا واردا، بحيث يستمر التفاوض السياسي بالتوازي مع التوترات الميدانية، ما لم تنجح واشنطن في ربط التفاهمات الدبلوماسية بالتزامات إسرائيلية واضحة وقابلة للتحقق.
لا يبدو أن التفوق العسكري الإسرائيلي قادر وحده على حسم مستقبل الجنوب السوري، مثلما لا تستطيع التفاهمات الدبلوماسية تحقيق استقرار مستدام إذا تجاهلت مصالح السكان المحليين واحتياجاتهم الأمنية والاقتصادية.
فالمخاوف الأمنية الإسرائيلية لا تلغي الالتزامات التي يفرضها القانون الدولي واتفاق فصل القوات لعام 1974، كما أن سيادة سوريا ووحدة أراضيها تمثلان أساسا لأي ترتيبات أمنية قابلة للاستمرار.
وفي هذا الإطار، قد يوفر التكامل بين الخبرة الروسية في إدارة خطوط التماس والقدرة الإماراتية على تسهيل الاتصالات السياسية وتمويل مشروعات الاستقرار فرصة لدعم المسار التفاوضي.
لكن نجاح هذا التصور يظل مشروطا بموافقة الأطراف المعنية، وفي مقدمتها دمشق وواشنطن وتل أبيب، وبقدرة أي ترتيبات جديدة على تحقيق نتائج ملموسة على الأرض.
وحتى تتوافر هذه الشروط، سيظل مسار التطورات الميدانية في الجنوب السوري، وخاصة ما يجري على امتداد خط “سوفا 53″، مؤشرا رئيسيا على طبيعة الأهداف الإسرائيلية، ومدى استعداد الأطراف للانتقال من إدارة التصعيد إلى بناء توازن أمني أكثر استقرارا.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير