
تكشف التحولات الكبرى التي شهدها النظام الدولي خلال العقود الأخيرة عن عودة متزايدة للعامل الديني إلى المجال الجيوسياسي، بعد أن ساد الاعتقاد، في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بأن الدولة القومية والمصالح الاقتصادية والتوازنات العسكرية أزاحت الدين إلى هامش السياسة الدولية. غير أن تطورات الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية أظهرت أن الدين لم يفقد حضوره في صناعة الهوية السياسية وتحديد مفهوم العدو وإنتاج الشرعية للحرب، بل أعاد تشكيل نفسه داخل القومية الحديثة والدولة المركزية والتحالفات العسكرية.
وتبرز حروب فلسطين وإيران وأوكرانيا في مقدمة الصراعات التي تتقاطع فيها المصالح الاستراتيجية مع الذاكرة الدينية والتصورات العقائدية. فالحرب في فلسطين ترتبط بتاريخ طويل من تداخل الوعد الديني اليهودي مع الصهيونية السياسية، ثم مع المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة. والمواجهة مع إيران تتداخل فيها الحسابات النووية والأمنية والإقليمية مع قراءات إنجيلية حديثة تعيد إدراج “فارس” في خرائط النبوءات المتعلقة بنهاية الزمان. أما الحرب الروسية-الأوكرانية فتتصل، إلى جانب أسبابها الجيوسياسية المباشرة، بإرث الأرثوذكسية الروسية، ومفهوم “العالم الروسي”، والصراع على الإرث الديني والتاريخي لكييف، إلى جانب تصورات أخروية لدى بعض التيارات الإنجيلية الغربية ربطت روسيا بـ”روش” و”غوغ ومأجوج”.
وبذلك، لا تظهر الحروب الثلاث باعتبارها حروبا دينية بالمعنى التقليدي الذي عرفته أوروبا في عصور سابقة، بل باعتبارها صراعات حديثة تستعيد داخلها عناصر دينية وعقائدية وتاريخية عميقة، وتتفاعل فيها هذه العناصر مع المصالح الاستراتيجية وصراعات القوة.
لم تكن فلسطين ملكا حصريا لمشروع سياسي نشأ في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر، ولا تشكل الروايات الدينية أو التأويلات التاريخية، في ذاتها، أساسا قانونيا يمنح أي حركة سياسية حق امتلاكها أو السيطرة عليها. فقد ظهرت الصهيونية الحديثة بوصفها مشروعا سياسيا قوميا في أوروبا، وسعت إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، ثم عملت على تحويل هذا المشروع من فكرة سياسية إلى واقع مادي على الأرض، مستفيدة من التحولات الدولية والسياسات الاستعمارية التي شهدتها المنطقة خلال النصف الأول من القرن العشرين.
واكتسب المشروع الصهيوني دعما سياسيا متزايدا، بدءا من وعد بلفور عام 1917، مرورا بفترة الانتداب البريطاني على فلسطين، وصولا إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتقسيم فلسطين عام 1947، ثم إعلان قيام إسرائيل في مايو (أيار) 1948. غير أن هذه التطورات السياسية لم تحسم الجدل التاريخي والقانوني حول حقوق الفلسطينيين في أرضهم، ولا يمكن اتخاذها مبررا للتهجير القسري أو الاستيطان أو تغيير الوضع التاريخي والديموغرافي للقدس والأراضي الفلسطينية.
وارتبط تأسيس إسرائيل بالحرب التي اندلعت عام 1948، وما رافقها من تهجير واسع للفلسطينيين ونزوح مئات الآلاف منهم، فضلا عن تدمير وإفراغ عدد كبير من القرى والبلدات الفلسطينية. وأصبحت هذه الأحداث، التي يسميها الفلسطينيون “النكبة”، نقطة مركزية في تاريخ الصراع. فلم يقتصر الأمر على إعلان كيان سياسي جديد، بل تزامن مع اقتلاع أعداد كبيرة من السكان الفلسطينيين من ديارهم وتحويلهم إلى لاجئين، بما أحدث تغييرا جذريا في الواقع الديموغرافي والجغرافي لفلسطين.
إذا كانت إسرائيل تمثل في الفكر الإنجيلي الصهيوني مركزا للأرض المقدسة وللنبوءة، فقد احتلت إيران موقعا آخر في بعض القراءات الأخروية الحديثة بسبب ارتباطها التاريخي باسم “فارس”.
يرد اسم فارس في سفر حزقيال ضمن القوى المرتبطة بنبوءة “غوغ من أرض مأجوج”، وهي النبوءة التي أصبحت في بعض الأدبيات الإنجيلية الحديثة أساسا لسلسلة من التصورات حول حرب كبرى تسبق نهاية الزمان. وجرى في عدد من التفسيرات المعاصرة إسقاط اسم فارس على إيران الحديثة، باعتبارها الامتداد الجغرافي والتاريخي لفارس القديمة.
وبذلك، أصبحت إيران حاضرة في بعض الأدبيات النبوئية بوصفها جزءا من سيناريو أخروي يتعلق بإسرائيل. ومع تصاعد العداء بين إيران وإسرائيل منذ الثورة الإسلامية عام 1979، وتطور البرنامج النووي الإيراني، ونشوء شبكة من القوى المسلحة المتحالفة مع طهران في المنطقة، اكتسبت هذه القراءة بعدا سياسيا إضافيا.
وعندما انتقلت المواجهة إلى حرب مباشرة عام 2025، ثم اتسع نطاق الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد أهداف إيرانية، وجد الخطاب النبوي لدى بعض التيارات الدينية بيئة جديدة لإعادة تفسير الأحداث. وهنا التقت “فارس” التاريخية بإيران المعاصرة، والنبوءة القديمة بالصراع النووي والجيوسياسي الحديث، وأصبحت المنطقة قابلة للقراءة، لدى أصحاب هذه التفسيرات، من داخل تصور أخروي أوسع.
ولا يعني ذلك أن هذه التصورات هي التي تحدد وحدها السياسات الأمريكية أو الإسرائيلية تجاه إيران، لكنها تكشف عن وجود بنية دينية وثقافية موازية للقراءة الاستراتيجية، تؤثر في نظرة بعض الجماعات والتيارات السياسية والدينية إلى الصراع.
احتلت روسيا موقعا بارزا في بعض التفسيرات البروتستانتية للنبوءات المتعلقة بنهاية الزمان. فقد ربط عدد من المفسرين الإنجيليين، خصوصا داخل التيارات التدبيرية، بين “روش” الواردة في سفر حزقيال وبين روسيا، ووضعوا الأخيرة ضمن القوى التي ستدخل، بحسب قراءتهم، في مواجهة أخروية مع إسرائيل.
واكتسب هذا التأويل حضورا أكبر خلال الحرب الباردة، عندما أصبح الاتحاد السوفيتي في المخيال السياسي الغربي قوة عظمى شيوعية تواجه الولايات المتحدة وحلفاءها. وساعد هذا السياق على إسقاط بعض التصورات الأخروية على الصراع الجيوسياسي القائم، رغم أن الربط اللغوي والتاريخي بين “روش” وروسيا ظل موضع خلاف بين الباحثين ومفسري النصوص الدينية.
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لم تختف هذه القراءة تماما، بل أعيد إنتاجها في سياقات جديدة مع عودة روسيا قوة دولية منافسة للغرب. ثم جاءت الحرب الروسية-الأوكرانية لتمنح هذه التصورات مادة جديدة، خصوصا مع انتقال الصراع الروسي-الغربي من التنافس السياسي إلى مواجهة عسكرية غير مباشرة واسعة على الأراضي الأوكرانية.
وأصبحت روسيا، في بعض الأوساط الإنجيلية، مرتبطة بصورة “القوة الشمالية” في سيناريوهات نهاية العالم، بينما تحولت أوكرانيا إلى جزء من المجال الجغرافي الذي تدور فيه مواجهة أوسع بين روسيا والغرب. ومع ذلك، يظل من الضروري الفصل بين هذه التصورات الدينية وبين الأسباب المباشرة للحرب، المرتبطة بالأمن الأوروبي وتوسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) والصراع على مناطق النفوذ ومستقبل أوكرانيا وموقعها في النظام الأمني الأوروبي.
تتجاوز جذور الحرب الروسية-الأوكرانية الخلافات الحدودية والسياسات الأمنية إلى صراع على التاريخ والهوية والإرث الديني. فقد شكلت كييف مركزا أساسيا في التاريخ المبكر للمسيحية السلافية الشرقية، ويرتبط اعتناق الأمير فلاديمير المسيحية في القرن العاشر بانتشار الأرثوذكسية في المجال الذي تطورت منه لاحقا روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا.
ومن هنا احتلت كييف موقعا رمزيا مركزيا في الذاكرة التاريخية الروسية. فبالنسبة إلى جانب من التصور القومي الروسي، لا تمثل أوكرانيا مجرد دولة مستقلة ظهرت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بل ترتبط بجذور تاريخية ودينية يعتبرها هذا التصور جزءا من التاريخ القومي والحضاري الروسي.
وانعكس ذلك على المؤسسة الدينية نفسها. فقد دعمت بطريركية موسكو سردية “العالم الروسي”، وربط خطابها بصورة متزايدة بين الدفاع عن روسيا والدفاع عن الأرثوذكسية والقيم التقليدية في مواجهة النموذج الثقافي الغربي.
وتشير دراسات حديثة إلى الدور الذي لعبته الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في توفير غطاء ديني وأخلاقي للحرب، من خلال خطاب قدم الصراع باعتباره مواجهة على الحضارة والهوية والقيم التقليدية. وفي مارس (آذار) 2024، استخدمت وثيقة صادرة عن المجلس الشعبي الروسي العالمي، برئاسة بطريرك موسكو كيريل، تعبير “الحرب المقدسة” في توصيف الصراع، وهو تطور مهم في الخطاب الديني الروسي المعاصر.
وتكشف هذه العلاقة عن درجة عالية من التداخل بين الدولة والمؤسسة الدينية؛ فالدولة تمنح الكنيسة مكانة سياسية واجتماعية واسعة، بينما يوفر الخطاب الديني للحرب بعدا روحيا وحضاريا. وأصبح مفهوم “العالم الروسي” أحد الأطر التي تجمع التاريخ واللغة والدين والهوية السياسية في سردية واحدة.
تكتسب الإشارة إلى الخزر أهميتها في سياق التاريخ الطويل والمتعدد للجماعات اليهودية في شرق أوروبا. فقد كانت الخاقانية الخزرية واحدة من أبرز الكيانات السياسية في المجال الممتد بين شمال القوقاز وسهوب أوراسيا، واعتنقت النخبة الحاكمة فيها اليهودية في مرحلة من تاريخها، وإن ظل مدى انتشار اليهودية بين عموم السكان موضوعا للنقاش الأكاديمي.
وسقطت الخاقانية الخزرية خلال القرن العاشر تحت تأثير مجموعة من الضغوط والصراعات، كان من أبرزها توسع روس الكييفية. وأصبحت تجربتها لاحقا جزءا من نقاشات تاريخية واسعة حول وجود الجماعات اليهودية في شرق أوروبا وتطور مراكزها السكانية. لكن الربط المباشر بين الخزر ويهود شرق أوروبا المعاصرين يظل فرضية تاريخية محل جدل، ولا توجد أدلة علمية كافية تسمح بالتعامل معها باعتبارها حقيقة مستقرة.
وفي هذا السياق الأوسع، يكتسب الأصل اليهودي للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي دلالة رمزية في الحرب الروسية-الأوكرانية. فزيلينسكي ينحدر من عائلة يهودية سوفيتية، وترتبط ذاكرته العائلية بتاريخ اليهود في أوكرانيا، وكان بعض أفراد عائلته من ضحايا الهولوكوست.
ومنحت رئاسة شخصية يهودية لأوكرانيا بعدا رمزيا إضافيا للصراع في منطقة شهدت عبر تاريخها تنازع إمبراطوريات وقوى متعددة، من الروسية والبولندية والنمساوية-المجرية إلى الاتحاد السوفيتي، واحتضنت في الوقت نفسه جماعات يهودية كبيرة على مدى قرون.
ولا يعني ذلك وجود امتداد تاريخي مباشر بين الخزر وزيلينسكي أو يهود أوكرانيا المعاصرين، بل إن الدلالة تكمن في استمرار الحضور اليهودي، بأشكال وتكوينات تاريخية مختلفة، داخل المجال الجغرافي لشرق أوروبا. وفي الحرب الراهنة، تتقاطع هذه الذاكرة مع الإرث الروسي في أوكرانيا والصراع الجيوسياسي بين روسيا والغرب، بما يمنح وجود زيلينسكي في المشهد المعاصر دلالة سياسية ورمزية تتجاوز شخصه.
رغم حضور السرديات الدينية والعقائدية في خلفية هذه الصراعات، فإن اختزال الحروب المعاصرة في العامل الديني وحده يؤدي إلى قراءة ناقصة لطبيعتها. فالقضية الفلسطينية تظل مثالا مركزيا على تداخل الدين بالقومية والاستعمار والصراع على الأرض والهوية، في وقت تكشف فيه مواقف داخل الفكر اليهودي نفسه عن رفض إقامة دولة يهودية بالقوة أو استخدام النصوص الدينية لتبرير السيطرة السياسية، ما يؤكد تعدد المواقف اليهودية من الصهيونية ومن علاقة الدين بالدولة.
وينطبق جانب من هذا النقاش على توظيف بعض التأويلات النبوئية في تفسير الصراعات المعاصرة، بما فيها المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران. فمنتقدو هذه القراءات يرون أنها تقوم على تأويلات دينية متنازع عليها، ولا يمكن اعتمادها أساسا كافيا لتفسير القرارات السياسية والعسكرية الحديثة.
وفي الحالة الروسية-الأوكرانية، يظهر الدين بصورة مختلفة، ليس فقط من خلال القراءات الأخروية الغربية لروسيا، بل عبر توظيف التاريخ الأرثوذكسي وإرث روس الكييفية ومفهوم “العالم الروسي” داخل صراع حديث على الأمن والنفوذ والهوية.
ومن ثم، تكشف حروب غزة وإيران وأوكرانيا أن الدين لم يختف من السياسة الدولية، لكنه لم يعد يعمل بالطريقة نفسها التي عرفتها الحروب الدينية القديمة. فقد أصبح جزءا من منظومة أكثر تعقيدا تتداخل فيها العقيدة مع القومية والتاريخ والمصالح الاستراتيجية وصراعات القوى الكبرى. وفي الوقت نفسه، تحمل هذه الصراعات مصالح جيوسياسية تتجاوز أبعادها الدينية، وتسهم في إعادة تشكيل نظام دولي كان يفترض أن يقوم على قواعد أكثر عدالة، بينما يبدو اليوم أمام مرحلة تحول كبرى تدفع إليها المنافسة بين القوى التقليدية والقوى الصاعدة.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير