القضايا الاقتصادية

شراكات إستراتيجية لبناء المستقبل العلمي والصناعي

التعاون الصناعي والتكنولوجي العربي- الأوراسي


  • 5 فبراير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: eurasia-assembly

شهدت العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية بين الدول العربية والدول الأوراسية، لا سيما روسيا والصين، تطورًا جوهريًّا في السنوات الأخيرة، ممتدة من التجارة التقليدية الى شراكات إستراتيجية في الصناعات الثقيلة، والذكاء الاصطناعي، والفضاء. وما جاء هذا التعاون النوعي إلا ليعكس طموحات مشتركة تقتضي تعزيز الأمن الصناعي والتكنولوجي، وتنمية القدرات الوطنية، وتقليل الاعتماد على مصادر التكنولوجيا الغربية، في ظل بيئة دولية تتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية، واحتدام التنافس على امتلاك التقنيات المتقدمة. وفي سياق الثورة التكنولوجية المتسارعة، برز الفضاء بوصفه مجالًا استراتيجيًّا تتسابق فيه القوى الكبرى لتشكيل تحالفات تقنية تعزز نفوذها العلمي والصناعي. ومن هذا المنطلق، تكتسب الشراكات العربية- الأوراسية أهمية متزايدة بوصفها ركيزة لبناء بنى تحتية تكنولوجية أكثر استقلالًا، وقادرة على دعم مسارات التنمية الوطنية من خلال توطين التصنيع، وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز قدرات الرصد والمراقبة الفضائية.

تعزيز الصناعات الثقيلة من خلال الشراكات العربية- الأوراسية

في قطاع الصناعات الثقيلة، تسعى الدول العربية إلى توظيف الخبرات الصناعية المتقدمة التي تمتلكها الدول الأوراسية بهدف تحديث بنيتها الإنتاجية، وتعزيز قدرتها التنافسية. ففي الجزائر، برز التعاون مع الصين من خلال إطلاق مشروعات مشتركة لتوطين صناعة المعدات الثقيلة، بما يسهم في دعم الصناعات التحويلية، وتقليص الاعتماد على الاستيراد، مع تعزيز نقل المعرفة، والتكنولوجيا الصناعية.

أما مصر، فقد وسّعت نطاق تعاونها مع روسيا ليشمل تطوير شبكات السكك الحديدية، وتحديث محطات توليد الكهرباء، إضافة إلى التعاون في تصنيع المعدات الدفاعية الثقيلة المعتمدة على تكنولوجيا متطورة، بما يعزز قدراتها الصناعية والبنية التحتية الإستراتيجية. وفي المغرب، تتجه الجهود نحو إقامة شراكات مع الصين وروسيا في مجالات تطوير مشروعات الطاقة المتجددة.

وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، أسهم التعاون مع الصين في إدخال خطوط إنتاج ذكية تعتمد على تقنيات الروبوتات والمعدات الصناعية المتقدمة، وهو ما يعكس توجهًا نحو التحول من الصناعات التقليدية إلى صناعات قائمة على الابتكار والتكنولوجيا المستدامة.

الذكاء الاصطناعي بوصفه ركيزة للتكامل التكنولوجي العربي- الأوراسي

يمثل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز مجالات التعاون العلمي والتكنولوجي بين الدول العربية وشركائها الأوراسيين، مع إدراك متزايد للدور المحوري لهذا المجال في تسريع التحول الرقمي، وترسيخ دعائم اقتصاد المعرفة. في مصر، أُعلن مؤخرًا إنشاء كونسورتيوم عربي- روسي للتعاون في الذكاء الاصطناعي، يهدف إلى تعزيز العمل المشترك بين الجامعات والمؤسسات البحثية في كلا الطرفين، وتبادل الخبرات العلمية والتكنولوجية في التعليم والبحث، والتطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي في مجالات متعددة.

وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، تتجسد الشراكات التقنية في مشروعات غير مرتبطة مباشرة بالأوراسيين، لكنها تعزز من مكانة الدولة في هذا الحقل؛ فقد أُعلن مركز بحثي مشترك بين مؤسسة التكنولوجيا والابتكار في أبو ظبي (TII)، وشركة Nvidia الأمريكية لتطوير أبحاث الذكاء الاصطناعي والروبوتات المتقدمة، وهو ما يعزّز نواحي الابتكار التقني في المنطقة، ويجذب استثمارات ضخمة لمشروعات بحثية في هذا المجال.

أما في المملكة العربية السعودية، فقد شهدت السنوات الأخيرة اهتمامًا كبيرًا بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك التزامات مالية كبيرة لتوسيع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطويرها داخل المملكة، خاصة من خلال شراكات مع شركات تقنية عالمية في إطار إستراتيجية أوسع لبناء بنية تحتية رقمية قوية.

هذا الاهتمام الإقليمي يتقاطع مع توجهات أوسع بين روسيا والصين لتعزيز التعاون في الذكاء الاصطناعي، حيث أصدرت القيادة الروسية توجيهات لتعميق الشراكات مع الصين في أبحاث الذكاء الاصطناعي، في إطار جهود موسكو لتعزيز قدراتها التكنولوجية في مواجهة الضغوط الخارجية.

التعاون الفضائي العربي- الأوراسي.. نحو تكامل علمي وتكنولوجي متقدم

يُعدّ قطاع علوم الفضاء من أبرز مجالات التعاون الإستراتيجي بين الدول العربية ونظيراتها الأوراسية؛ لما يمثله من أهمية متزايدة في دعم التنمية المستدامة، وتعزيز القدرات العلمية والتكنولوجية. وقد برزت الجزائر مؤخرا كنموذج واضح لهذا التعاون من خلال إطلاق القمر الصناعي للمراقبة الأرضية Alsat-3A في يناير (كانون الثاني) 2026 بواسطة الصاروخ الصيني Long March 2C، ضمن مشروع مشترك أسهمت فيه الصين في التطوير والإطلاق. ويوفر هذا القمر قدرات تصوير عالية الدقة تُستخدم في إدارة الموارد الطبيعية والتخطيط البيئي. كما تمتلك الجزائر القمر الاتصالي Alcomsat-1 الذي أُطلق سنة 2017 بالتعاون مع الصين؛ ما عزّز بنيتها التحتية للاتصالات الفضائية، ودعم استقلاليتها في هذا المجال الحيوي.

بدورها، وسّعت مصر نطاق أنشطتها الفضائية عبر شراكات متعددة مع الصين، شملت إطلاق عدد من الأقمار الصناعية، وتعزيز التعاون المؤسسي مع وكالة الفضاء المصرية، إلى جانب إنشاء مرافق متخصصة لتصنيع وتجميع الأقمار الصناعية. وفي إطار تنسيق الجهود العربية، استضافت مصر اجتماع المجموعة العربية للتعاون الفضائي بمشاركة وكالات فضاء من عدة دول عربية، من بينها السعودية والإمارات والجزائر، بما يعكس توجهًا نحو بناء منظومة فضائية عربية أكثر تكاملًا. وفي عام 2025، أُعلن إطلاق القمر العلمي المصري SPNEX من الصين، وهو مشروع يعكس تطور القدرات المصرية في تصميم أنظمة المركبات الفضائية وتشغيلها. كما شهدت مصر مبادرة إعلامية وعلمية متميزة تمثلت في إنتاج حلقة من برنامج الطريق إلى النجوم بالتعاون بين قناة RT Arabic والقنوات المصرية، حيث بُثت حلقة مباشرة من أمام أهرام الجيزة، ورُبِطَ الجمهور العربي برائد الفضاء الروسي أليكسي زوبريتسكي على متن محطة الفضاء الدولية، في خطوة هدفت إلى نشر الثقافة العلمية الفضائية.

أما دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد رسّخت مكانتها لاعبًا فضائيًّا نشطًا من خلال إطلاق مجموعة من الأقمار الصناعية وتطويرها، من بينها القمر MBZ-Sat الذي أُطلق في يناير (كانون الثاني) 2025 ضمن جهود الدولة لتعزيز قدرات مراقبة الأرض ودعم التخطيط العمراني وإدارة الكوارث. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2025، أُطلق القمر Arab Satellite 813 من الصين بوصفه أول مشروع فضائي عربي مشترك يقوده علماء عرب بالشراكة مع الجانب الصيني، حيث يوفر تقنيات متقدمة في الاستشعار الطيفي والمراقبة البيئية؛ ما يعكس تقدمًا ملموسًا في نقل المعرفة التكنولوجية وتوطينها.

وفي السياق نفسه، تشارك المملكة العربية السعودية بفاعلية في تطوير قدراتها الفضائية من خلال إطلاق أقمار صناعية بالتعاون مع روسيا، إذ أُطلقت عدة أقمار سعودية، بعضها مُصنّع محليًّا، مثل شاهين سات وكيوب سات، من خلال منصات الإطلاق الروسية، بما يعزز قدرات المملكة في مجالات الاتصالات الفضائية والاستشعار عن بعد.

ولا يقتصر هذا التعاون الفضائي العربي- الأوراسي على عمليات الإطلاق والتشغيل؛ بل يمتد ليشمل نقل التكنولوجيا، وتدريب الكوادر الفنية، وتنمية الموارد البشرية في مجالات تصميم الأقمار الصناعية وتشغيلها، إلى جانب تبادل البيانات والخبرات البحثية. كما أطلقت عدة دول عربية مبادرات لتعزيز التعاون الإقليمي في هذا القطاع، من بينها اتفاقيات ثنائية بين مصر والإمارات لتبادل الخبرات في التكنولوجيا الفضائية، وتطوير مشروعات مشتركة في مراقبة الأرض، والأنظمة الفضائية، وهو ما يعكس توجهًا متناميًا نحو بناء قاعدة علمية وتكنولوجية عربية أكثر استقلالًا وتكاملًا.

خلاصة 

يتضح أن التعاون الصناعي والتكنولوجي بين الدول العربية ونظيراتها الأوراسية، ولا سيما في مجالات الصناعات الثقيلة والذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء، يشكّل ركيزة أساسية لدعم مسارات التنمية المستدامة، وتعزيز التقدم العلمي والتقني، فقد أسهم هذا التعاون في تحديث البنى التحتية الصناعية، وتوسيع القدرات الإنتاجية المحلية، ونقل المعرفة والتكنولوجيا، بما ينعكس إيجابًا على تنويع الاقتصادات العربية، وتعزيز قدرتها على مواكبة التحولات الصناعية العالمية.

كما برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة إستراتيجية لتحسين كفاءة الأداء في القطاعات الحيوية، ورفع مستوى الإنتاجية والابتكار، في حين يمثّل قطاع الفضاء أحد أرقى مجالات الشراكة الإستراتيجية لما يتضمنه من نقل متقدم للتكنولوجيا، وتأهيل للكوادر البشرية، وتطوير للبحث العلمي المشترك. وتؤكد هذه الشراكات أن التعاون العربي- الأوراسي لم يعد يقتصر على تبادل المصالح الاقتصادية؛ بل أصبح نموذجًا للتحالف القائم على التكامل التكنولوجي، وتبادل الخبرات.

وفي ضوء التطورات المتسارعة في الاقتصاد الرقمي والصناعات المستقبلية، تفتح هذه الشراكات آفاقًا واعدة لتوسيع مجالات التعاون لتشمل الطاقات المتجددة، والتنقل الذكي، والروبوتات الصناعية المتقدمة، والتطبيقات الفضائية الحديثة. ومن شأن هذا التوجه أن يعزز مساعي الدول العربية نحو تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية التكنولوجية، وترسيخ حضورها التنافسي على المستويين الإقليمي والدولي.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع