
أصبح الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وسياساته موضع انتقاد واسع، مع تزايد الاتهامات بارتكاب جرائم إبادة جماعية وانتهاكات للقانون الدولي. وقد أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي تحولاً كبيراً في نظرة الأمريكيين والغربيين إلى إسرائيل. ففي السنوات التي سبقت انتشار الإنترنت، كانت إسرائيل تُقدَّم بوصفها حليفاً للغرب و«الديمقراطية الوحيدة» في الشرق الأوسط.
لكن بعد الهجوم المدمر على غزة، الذي خلّف ما لا يقل عن 70 ألف قتيل ومئات الآلاف من الجرحى والمفقودين، غيّرت الصور والتقارير المتدفقة إلى شاشات الغربيين الصورة التقليدية لإسرائيل. واليوم، ينظر كثيرون إليها باعتبارها نظام فصل عنصري وقوة استعمارية، بينما تمتلئ وسائل التواصل الاجتماعي بمنشورات ومقاطع لمؤثرين ينتقدون السياسات والجرائم الإسرائيلية.
وكان أرييل شارون قد قال إنه لا يخشى انتفاضة عربية تهزم إسرائيل، بل إن خوفه الوحيد كان من حدوث تغيير في العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، لأنه كان يعتقد أن انهيار هذه العلاقة قد يؤدي إلى زوال إسرائيل.
وربما يتحقق أسوأ ما كان يخشاه شارون، بعدما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخراً لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: «إذا لم تتوقف، فستكون وحدك».
ويبدو أن هذا هو الوقت المثالي لكي يقدّم الفلسطينيون خطة موحدة للتحرر، إلا أن قيادتهم لا تزال منقسمة جغرافياً وأيديولوجياً.
فمنظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح، اللتان تهيمنان على السلطة الفلسطينية، تسعيان إلى الاعتراف الدولي وإقامة حل الدولتين. غير أن السلطة الفلسطينية تُتهم على نطاق واسع بالفساد وعدم تمثيل جميع الفلسطينيين.
أما حركتا حماس والجهاد الإسلامي فترى كل منهما أن تحرير فلسطين يتحقق من خلال المقاومة المسلحة. ويرى العديد من الفلسطينيين أن حماس تسببت في الرد الإسرائيلي الواسع من خلال استهداف مدنيين إسرائيليين في هجوم السابع من أكتوبر.
وفي المقابل، تسعى حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) إلى تحقيق حق العودة للاجئين والمساواة في الحقوق للفلسطينيين عبر وسائل سلمية وغير عنيفة.
ووفقاً للباحثة لانا تطور، المحاضرة في التنمية بمدرسة العلوم الاجتماعية في جامعة نيو ساوث ويلز بمدينة سيدني الأسترالية:
«إن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني الإسرائيلي وهيمنة إسرائيل على الفلسطينيين لا يمكن أن ينتهيا إلا من خلال إنهاء الاستعمار وتحرير فلسطين من النهر إلى البحر».
ويعتمد مستقبل فلسطين على توحيد جميع الفلسطينيين ضمن خطة مشتركة للحرية والتحرر، الأمر الذي يتطلب إنشاء قيادة جديدة بالكامل.
وستواصل إسرائيل مشروعها القائم على الاستيطان والاحتلال ونزع الملكية والتطهير العرقي ما دامت الولايات المتحدة تسمح بذلك. لكن الضغط الشعبي قادر على إحداث التغيير في الولايات المتحدة، كما حدث عندما ساهم في إنهاء حرب فيتنام.
أجرى الصحفي والمعلق السياسي ستيفن صهيوني مقابلة مع الشاعر والناشط الفلسطيني من غزة أحمد مقداد.
ستيفن صهيوني
أصدرت إسرائيل تصريحات تتعلق بالمواقع المسيحية المقدسة في الضفة الغربية. هل سيبقى المسيحيون الغربيون صامتين بينما تُفقد مواقعهم التراثية المقدسة؟
أحمد مقداد
إن الانتهاكات الإسرائيلية ضد المسيحيين في فلسطين بدأت منذ زمن طويل وما زالت مستمرة حتى اليوم، بل إنها ازدادت حدة في السنوات الأخيرة. ومع ذلك، ظلت الحكومات الغربية وصناع القرار في الغرب صامتين إلى حد كبير تجاه ما يحدث للمسيحيين. ورغم وجود بعض ردود الفعل من المجتمعات المسيحية في الغرب، فإنها لم تصل إلى المستوى المطلوب لوقف هذه الانتهاكات أو وضع حد لها.
ستيفن صهيوني
سعت حركات المقاومة إلى تسليط الضوء على الاحتلال العسكري لفلسطين منذ عام 1948. ألا حان الوقت لإنهاء جميع جماعات المقاومة المسلحة في فلسطين والمنطقة عبر تطبيق حل الدولتين؟
أحمد مقداد
لقد سعت المقاومة إلى إبراز ما تصفه بالاحتلال العسكري القاسي لفلسطين منذ عام 1948.
ومنذ بداية الاحتلال، حاول الفلسطينيون الحصول على حقوقهم الإنسانية المشروعة بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك الجهود السلمية وأشكال المقاومة المختلفة. لكن الاحتلال رفض بشكل كامل الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، بل وتصرف في بعض الأحيان وكأن هذا الشعب غير موجود.
ولم يترك الاحتلال أي مسار حقيقي للسلام أو أي حل دبلوماسي يمكن أن يمنح الفلسطينيين حقوقهم المشروعة. وأعتقد أن الوقت قد حان ليُمنح الشعب الفلسطيني الحق في العيش بسلام وكرامة، بحيث يمكن في نهاية المطاف أن تنتهي الجماعات الفلسطينية المسلحة.
ومن وجهة نظري، فإن الحكومات الإسرائيلية رفضت بصورة قاطعة فكرة حل الدولتين.
ستيفن صهيوني
يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو العديد من الأزمات الداخلية، ولا سيما اتهامات الفساد وغيرها من التحديات، مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية. ما مزاج الشارع الإسرائيلي؟ وما فرص نتنياهو في هذه الانتخابات؟
أحمد مقداد
بصفتي فلسطينياً، لا أهتم كثيراً بالانتخابات الإسرائيلية أو بمن يفوز أو يخسر فيها. فالوجوه قد تتغير، لكن السياسات تبقى نفسها. ولا أعتقد أن هناك سياسياً إسرائيلياً مستعداً للاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في الحياة والحصول على حقوقه المشروعة.
ستيفن صهيوني
تستمر الانقسامات الفلسطينية الداخلية رغم ما يتعرض له الفلسطينيون من إجراءات إسرائيلية. ما أفضل طريقة لإنهاء هذه الانقسامات؟ وهل توجد مبادرات حالياً لمعالجة هذه المشكلة؟
أحمد مقداد
صحيح أن جهوداً كبيرة بُذلت لتحقيق المصالحة الفلسطينية، لكنها جميعاً فشلت. فلكل فصيل سياسي أيديولوجيته الخاصة، وكل طرف يرى نفسه الأجدر بقيادة الشعب الفلسطيني.
إضافة إلى ذلك، يعمل الاحتلال بكل الوسائل الممكنة على تعميق الانقسام وإبقاء الفلسطينيين في حالة ضعف، ما يجعل إقامة دولة فلسطينية أمراً بالغ الصعوبة.
ولذلك، لا بد من توحيد الرؤية من أجل تحقيق التحرر من الاحتلال. وأعتقد أن ذلك يمكن أن يتحقق عبر انتخاب سلطة واحدة تمثل الشعب الفلسطيني وتتحدث باسمه في المحافل الدولية إلى أن تُنتزع حقوقه.
ستيفن صهيوني
لم تلتزم إسرائيل بوقف إطلاق النار، وتخرق الاتفاق يومياً عبر الغارات الجوية والإجراءات ضد سكان غزة، بينما يدعو العالم الفصائل العاملة في غزة إلى الاستسلام. إلى أين تتجه التطورات في غزة؟ وما مستقبل الاتفاق المدعوم من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي؟
أحمد مقداد
لم يكن هناك وقف حقيقي لإطلاق النار منذ اليوم الأول لتوقيع الاتفاق، إذ وقعت آلاف الانتهاكات من جانب الجيش الإسرائيلي. وحتى الوسطاء والضامنون للاتفاق لم تحترمهم إسرائيل.
ولأن العالم يفتقر إلى العدالة، فإنه لا ينظر إلى الشعب الفلسطيني من منظور الإنصاف، ولا يوقف سفك الدماء المستمر منذ سنوات. وقد أدى ذلك إلى تدمير غزة ومقتل أكثر من 70 ألف فلسطيني.
وبرأيي، حتى لو استسلمت الفصائل الفلسطينية، فإن الاحتلال لن يرحم الشعب الفلسطيني، لأنه يقتل دون مبرر. وأعتقد أن الوضع في غزة سيظل بالغ الصعوبة، وسيحتاج إلى سنوات طويلة من الجهد والعمل لإنقاذ ما تبقى من السكان ودعمهم.
كما يواصل الاحتلال فرض قيود على دخول المساعدات إلى غزة، ولذلك لا بد من ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل من قبل الولايات المتحدة والدول الغربية لفتح المعابر، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية العاجلة، ودعم إعادة الإعمار، إضافة إلى إنشاء سلطة موحدة لإدارة قطاع غزة.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير