تقارير

الانتخابات الإسرائيلية ومستقبل نتنياهو وغزة وإيران


  • 6 أكتوبر 2026

شارك الموضوع

مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، تتجه الأنظار إلى التحولات السياسية المحتملة داخل إسرائيل، وانعكاساتها على ملفات غزة والضفة الغربية وإيران، فضلا عن مستقبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وموقعه في المشهد السياسي.

في هذا الحوار، يناقش الكاتب والباحث الفلسطيني المتخصص في الشؤون الإسرائيلية والإقليمية، الدكتور سهيل م. دياب، أبرز سيناريوهات المرحلة المقبلة، ومدى قدرة الانتخابات على إحداث تحول حقيقي في السياسة الإسرائيلية، إلى جانب دلالات زيارة نتنياهو إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وحادثة طائرة “فلاي دبي”، والسيناريوهات المحتملة لتشكيل الحكومة المقبلة.

ستيف صهيوني

مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، هل يمكن أن تقود نتائجها إلى تغيير حقيقي في السياسة الإسرائيلية تجاه غزة والضفة الغربية وإيران، أم أن الملفات الأمنية الكبرى ستبقى ثابتة بغض النظر عن هوية الحكومة المقبلة؟

د. سهيل م. دياب

إذا نجحت حكومة ذات توجهات تتراوح بين الوسط واليمين المعتدل، برئاسة غادي أيزنكوت، في الحلول محل الحكومة الحالية، فمن المرجح أن نشهد مستويات متفاوتة من التغيير في التعامل مع ملفات غزة والضفة الغربية وإيران.

في غزة، قد يكون التغيير أكثر وضوحا مقارنة بالملفات الأخرى. وقد تبدي الحكومة المقبلة مرونة أكبر تجاه التوصل إلى وقف طويل الأمد لإطلاق النار، وتكون أكثر استعدادا لقبول ترتيبات تشارك فيها مصر ودول الخليج، إلى جانب التعامل بصورة أكثر مرونة مع السلطة الفلسطينية في رام الله، وربما منحها دورا في إدارة قطاع غزة، بالتوازي مع إحراز تقدم في ملف إعادة الإعمار.

ينبغي الإشارة إلى أن ملف غزة بات، في جوهره، ملفا تقوده الولايات المتحدة، بمشاركة إسرائيل وانخراط ما يعرف بـ”مجلس السلام” برئاسة دونالد ترامب.

أما في الضفة الغربية، فتبدو احتمالات التغيير مرتفعة نسبيا. وقد نشهد سياسة أكثر مرونة، تقوم على إبطاء وتيرة التوسع الاستيطاني، والحد من اعتداءات المستوطنين، وتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، وزيادة مستوى التنسيق معها.

وقد تعود إسرائيل إلى سياسة “إدارة” الصراع مع الفلسطينيين، بدلا من النهج الذي تتبناه حكومة نتنياهو والقائم على محاولة “حل” الصراع أو فرض اتجاه محدد ونهائي له. وفي نهاية المطاف، تبقى الضفة الغربية ملفا تقوده إسرائيل بالدرجة الأولى.

بالنسبة إلى إيران، تبدو احتمالات التغيير أقل من المتوسط. فمن المرجح أن تواصل أي حكومة إسرائيلية مقبلة العمل على منع إيران من امتلاك أسلحة نووية، مع استمرار التركيز على العمل الاستخباراتي والعمليات السيبرانية بدلا من الاعتماد بصورة أساسية على الخيار العسكري، من دون تغيير جوهري في العقيدة الأمنية الإسرائيلية.

في المقابل، قد نشهد تنسيقا أكبر مع واشنطن، واستعدادا أوسع لمراعاة المصالح الأمريكية، بدلا من التركيز حصرا على المصالح الإسرائيلية. فقضية إيران، إلى حد كبير، ملف تقوده الولايات المتحدة.

هناك عاملان مهمان ينبغي أخذهما في الاعتبار. الأول، أنه إذا تشكلت حكومة وحدة وطنية صهيونية واسعة تضم المعسكرين السياسيين الرئيسيين، فسوف تتراجع احتمالات حدوث تغييرات كبيرة في هذه الملفات. والثاني، أنه إذا شارك حزب أو قائمة سياسية عربية في الحكومة المقبلة، فقد ترتفع فرص التغيير، ولا سيما في ملف الضفة الغربية وإمكان التوصل إلى تسوية سياسية مع الفلسطينيين.

ستيف صهيوني

زار بنيامين نتنياهو مؤخرا دولة الإمارات العربية المتحدة والتقى الرئيس الشيخ محمد بن زايد. كيف تقرأ هذه الزيارة؟ وهل تقف وراءها ترتيبات أو خطة أوسع بين أبوظبي وتل أبيب؟

د. سهيل م. دياب

في تقديري، كانت زيارة نتنياهو إلى أبوظبي، التي اتخذت طابعا يجمع بين السرية والعلنية، مرتبطة بالدرجة الأولى بحاجة إسرائيلية، وبالحسابات السياسية الشخصية لنتنياهو على وجه الخصوص.

لا أعتقد أنها كانت زيارة ثنائية مخططا لها بعناية بين الطرفين. وبحسب ما جرى تداوله، حاول الجانب الإماراتي إلغاء الاجتماع في اللحظات الأخيرة، قبل تدخل أمريكي حال دون ذلك.

اللقاء عقد في المطار، وليس داخل أحد المباني الحكومية، بينما جرى الجزء الأكبر من النقاش بين نتنياهو والشيخ محمد بن زايد بعيدا عن العلن.

من وجهة نظري، ارتبطت الزيارة بصورة أساسية بحسابات نتنياهو الانتخابية، وتحديدا بملفين رئيسيين.

الملف الأول يتعلق برغبة نتنياهو في الحصول على نفي إماراتي للتقارير التي تحدثت عن مكالمة تحذيرية يزعم أن رئيس دولة الإمارات أجراها معه قبل نحو عشرة أيام من هجوم السابع من أكتوبر.

هذه التقارير، التي تداولتها وسائل إعلام أمريكية وإسرائيلية، وضعت نتنياهو في موقف سياسي بالغ الصعوبة. لذلك سعى، بحسب ما ورد، إلى الحصول على نفي إماراتي علني لها، لكن هذا الطلب لم يتحقق.

الملف الثاني يتعلق باحتمال وجود تعاون أمني إماراتي-إسرائيلي بشأن عملية عسكرية إسرائيلية محتملة ضد طرف إقليمي، وهو تطور كان من الممكن أن يمنح نتنياهو مكاسب سياسية خلال حملته الانتخابية. غير أن هذا الملف لا يزال مفتوحا، ولا تتوافر معلومات مؤكدة تسمح بالجزم بطبيعته أو مداه.

ستيف صهيوني

أثيرت خلال الفترة الأخيرة تساؤلات عديدة حول الرواية الرسمية المتعلقة بحادثة طائرة “فلاي دبي”. هل تعتقد أن الحادثة ربما كانت عملية مدبرة من جانب جهاز الموساد الإسرائيلي؟ وهل يمكن أن تكون زيارة نتنياهو إلى الإمارات مرتبطة بها؟

د. سهيل م. دياب

هناك قدر كبير من الاتفاق بين عدد من المحللين والمراقبين الإسرائيليين والسعوديين والإماراتيين حول بعض الوقائع الأساسية المتداولة بشأن الحادثة، وإن اختلفت التفسيرات من طرف إلى آخر.

بحسب الروايات المتداولة، وقع اشتباك جسدي بين طيارين، وأقدم مساعد الطيار، وفق الادعاءات المنشورة، على طعن قائد الطائرة، ما أدى، إلى جانب الاضطرابات الناتجة عن المواجهة، إلى هبوط الطائرة اضطراريا في أحد المطارات السعودية.

وألقي القبض على مساعد الطيار وخضع للاستجواب، وسط توقعات بنقله إلى الإمارات لاستكمال التحقيقات.

في المقابل، ظهرت داخل إسرائيل روايات وسيناريوهات متعددة بشأن الحادثة، وتغير بعضها خلال فترة زمنية قصيرة. ومن بين السيناريوهات المطروحة احتمال أن تكون الحادثة عملية إرهابية تستهدف إسقاط الطائرة، أو وجود دافع مرتبط بإيران أو أحد حلفائها الإقليميين، أو وجود مؤامرة من دولة عربية تستهدف التأثير في الانتخابات الإسرائيلية وإضعاف نتنياهو.

لكن حتى الآن، لا يوجد تأكيد مستقل يثبت أيا من هذه السيناريوهات. وهذه نقطة بالغة الأهمية، خصوصا أن بعض هذه الادعاءات صدر، بحسب ما جرى تداوله، عن نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قبل بدء التحقيق مع مساعد الطيار.

من وجهة نظري، فإن رفض السعودية السماح لإسرائيل بنقل الركاب إلى تل أبيب على متن طائرات عسكرية كشف عن اهتمام نتنياهو السياسي بإضفاء طابع دراماتيكي على الحادثة.

أتاحت الحادثة له لاحقا الظهور بمظهر من نجح في “إنقاذ” ركاب وجدوا أنفسهم عالقين في الخارج، قبل تنظيم استقبال إعلامي واسع لهم في مطار بن غوريون، وهو ما أسهم في تعزيز صورة نتنياهو باعتباره القائد الذي أعادهم إلى وطنهم.

وعند وضع حادثة الطائرة إلى جانب لقاء نتنياهو مع بن زايد وتحذيراته من وجود تهديد أمني وشيك لإسرائيل، يمكن، من وجهة نظري، استخلاص نتيجتين محتملتين.

الأولى أن نتنياهو يحتاج إلى دفعة سياسية عاجلة قبل الانتخابات. والثانية أنه قد يكون بصدد تهيئة المناخ السياسي والنفسي لعملية عسكرية أو أمنية كبيرة، سواء بهدف تحسين وضعه الانتخابي، أو خلق ظروف قد تقود إلى تأجيل الانتخابات أو حتى عدم إجرائها في موعدها.

لكنني أؤكد أن هذه قراءات وتقييمات سياسية، وليست حقائق مثبتة. وأي اتهامات تتعلق بعمليات سرية أو بدور أجهزة استخباراتية تحتاج إلى أدلة مستقلة وتأكيدات موثوقة قبل التعامل معها باعتبارها حقائق.

ستيف صهيوني

تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى سباق انتخابي شديد التقارب بين المعسكرين السياسيين، فيما يبدو أن أيا منهما غير قادر بسهولة على تأمين المقاعد الـ61 اللازمة للحصول على الأغلبية البرلمانية. ما السيناريوهات المتوقعة لتشكيل الحكومة بعد الانتخابات؟

د. سهيل م. دياب

أرى أربعة سيناريوهات رئيسية.

السيناريو الأول هو استمرار المأزق السياسي، وأراه الأكثر ترجيحا. فقد تفشل القوى السياسية في تشكيل حكومة جديدة، ويبقى نتنياهو رئيسا للوزراء على رأس حكومة انتقالية، على أن تجرى انتخابات جديدة بعد نحو 90 يوما.

السيناريو الثاني هو تشكيل حكومة أقلية بقيادة غادي أيزنكوت. ويمكن في هذه الحالة تشكيل حكومة بأقل من 61 مقعدا، تحصل على دعم من خارج الائتلاف عبر ترتيب يضمن لها الثقة والقدرة على تمرير القوانين، أو من خلال شبكة أمان سياسية توفرها الأحزاب العربية.

السيناريو الثالث يتمثل في تشكيل حكومة وحدة وطنية واسعة. وقد يجري التوصل إلى اتفاق على حكومة من هذا النوع، وربما يتضمن ترتيبا للتناوب بين نتنياهو وأيزنكوت على رئاسة الحكومة.

السيناريو الرابع هو تأجيل الانتخابات. فهناك احتمال لعدم إجراء الانتخابات في موعدها المقرر، أو تأجيلها، على خلفية تطورات أو ظروف أمنية استثنائية.

ستيف صهيوني

إلى أي مدى أثرت حرب غزة والمواجهة مع إيران والتطورات الأمنية في أولويات الناخب الإسرائيلي، وفي الصورة السياسية لبنيامين نتنياهو؟

د. سهيل م. دياب

أعتقد أن الانتخابات المقبلة لن تتمحور بالدرجة الأولى حول القضايا التقليدية، مثل القضية الفلسطينية، وحل الدولتين، وارتفاع تكاليف المعيشة، والبطالة، والعدالة الاجتماعية. ولن تكون، في تقديري، مجرد مواجهة تقليدية بين اليمين واليسار.

السؤال الأساسي سيكون أعمق من ذلك بكثير: أي إسرائيل ستظهر خلال العقود المقبلة؟

قد تتحول الانتخابات إلى استفتاء سياسي حول مستقبل الدولة، وما إذا كانت إسرائيل ستتجه نحو نموذج دولة علمانية وليبرالية، أم نحو دولة يصفها منتقدوها بأنها ذات توجه استيطاني، ومحكومة بدوافع دينية، وتتجه بصورة متزايدة نحو السلطوية.

السؤال الثاني يتعلق بمن يتحمل مسؤولية إخفاق السابع من أكتوبر. وسيكون تحديد المسؤولية السياسية عن الإخفاق الأمني الذي سبق أحداث السابع من أكتوبر وأحاط بها، ودور القيادة السياسية فيه، من أبرز القضايا التي ستفرض نفسها على المشهد الانتخابي.

السؤال الثالث يتعلق بمدى حاجة إسرائيل إلى دستور. وسيكون من بين الملفات الكبرى المطروحة للنقاش ما إذا كان ينبغي للدولة أن تتجه نحو اعتماد دستور رسمي.

السؤال الرابع يرتبط بصورة إسرائيل على الساحة الدولية. فالانتخابات ستتناول أيضا كيفية إصلاح مكانة إسرائيل الدولية واستعادتها بعد الحرب وما خلفته من تداعيات دبلوماسية وسياسية.

في المحصلة، ستكون لنتائج هذه الانتخابات تداعيات واسعة على إسرائيل والفلسطينيين والمنطقة بأكملها. وقد تجعل حدة المنافسة السياسية منها واحدة من أكثر الانتخابات أهمية وشراسة في تاريخ إسرائيل، بحيث لا تقتصر نتائجها على الداخل الإسرائيلي، بل تمتد آثارها إلى المشهد الإقليمي برمته.

ما ورد في التقرير يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع