القضايا الاقتصاديةتقدير موقف

استجابة إستراتيجية للعاملين الأمريكي والصيني

الاتفاق التجاري بين الهند والاتحاد الأوروبي


  • 29 يناير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: ddnews.gov.in

يبرز اتفاق التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي بوصفه واحدًا من أبرز التطورات الاقتصادية والإستراتيجية التي يشهدها العالم في سياق التحولات الجيوسياسية السريعة، حيث أُعلن إكمال المفاوضات لهذا الاتفاق في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، خلال قمة الهند- الاتحاد الأوروبي في نيودلهي، ووصفته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بأنه “أم الاتفاقيات”. ويغطي الاتفاق سوقًا مشتركة تضم نحو ملياري نسمة، تمثل ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ويهدف إلى إزالة أو تقليل الرسوم الجمركية على أكثر من (96) في المئة من الصادرات الأوروبية إلى الهند، و(99.5) في المئة من الصادرات الهندية إلى الاتحاد الأوروبي.

وتكمن أهمية هذا الاتفاق في أنه ليس مجرد اتفاق تجاري؛ بل يعكس استجابة إستراتيجية للضغوط الخارجية، خاصة العامل الأمريكي المتمثل في سياسات الرئيس دونالد ترمب، والعامل الصيني الذي يمثل تحديًا جيواقتصاديًّا متزايدًا، في ظل تصاعد الحمائية التجارية الأمريكية، وفرض رسوم جمركية تصل إلى (50) في المئة على الهند، وتهديدات مشابهة ضد أوروبا بسبب قضايا مثل غرينلاند، ليصبح الاتفاق وسيلة لتنويع الشراكات الاقتصادية، وتقليل الاعتماد على السوق الأمريكية، ويسهم في مواجهة هيمنة بكين على السلاسل التوريدية العالمية، حيث يساعد على تعزيز التنويع بعيدًا عن الصين.

أبعاد الإتفاق الاقتصادية والإستراتيجية

بدأت المفاوضات بشأن اتفاق التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي عام 2007، بهدف تعزيز التجارة الثنائية التي بلغت -في ذلك الوقت- نحو (40) مليار يورو. ومع ذلك، تعثرت المفاوضات بسبب خلافات بشأن قضايا، مثل حماية الملكية الفكرية، والوصول إلى الأسواق الزراعية، والمعايير البيئية. وعُلِّقَت المفاوضات عام 2013 بسبب عدم التوافق على تخفيض الرسوم الجمركية على السيارات والنبيذ الأوروبي، مقابل تسهيلات للصادرات الهندية في المنسوجات والأدوية، ثم استؤنفت في يونيو (حزيران) 2022، في إطار إستراتيجية الاتحاد الأوروبي لتعزيز الشراكات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وسط تصاعد التوترات مع الصين.

بلغ حجم التجارة الثنائية في (2024- 2025) نحو (136.53) مليار دولار، مع صادرات هندية بلغت (75.85) مليار دولار، وواردات (60.68) مليار دولار؛ مما يجعل الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري للهند. وتسارعت المفاوضات في الأشهر الستة الأخيرة من 2025، مدفوعة بضغوط خارجية، لتنتهي في 27 يناير (كانون الثاني) 2026. ويتوقع دخول الاتفاق حيز التنفيذ بعد 5-6 أشهر من التدقيق القانوني، وربما في نهاية 2026، أو بداية 2027. ويكشف التسارع في المفاوضات مؤخرًا عن تحول في الأولويات، حيث انتقلت المفاوضات من مرحلة الجمود إلى الإنجاز السريع، مدفوعة بالحاجة إلى مواجهة التحديات العالمية المتزايدة، مثل التوترات التجارية مع الولايات المتحدة والصين، التي أدت إلى إعادة صياغة الشراكات الاقتصادية العالمية.

يشمل الاتفاق إزالة الرسوم الجمركية على (96.6) في المئة من الصادرات الأوروبية إلى الهند، ومنها السيارات، حيث تُقلَّل الرسوم من (110) في المئة إلى (10) في المئة بحصة تصل إلى (250) ألف سيارة سنويًّا، بالإضافة إلى الآلات، والمنتجات الزراعية، والكيماويات. من جانب الهند، ستُزال الرسوم على (97) في المئة من خطوط التعريفة الجمركية، تغطي (99.5) في المئة من قيمة التجارة، مع إزالة فورية لـ(70.4) في المئة منها. ويتوقع الاتحاد الأوروبي مضاعفة صادراته إلى الهند بحلول 2032، مما يضيف (19) مليار دولار سنويًّا إلى الصادرات الأوروبية.

ومن الناحية الإستراتيجية، يشمل الاتفاق اتفاقيات منفصلة بشأن الاستثمار وحماية الملكية، بالإضافة إلى تعاون في الدفاع والأمن. ويدعم الاتحاد الأوروبي جهود الهند في خفض الانبعاثات بـ(500) مليون يورو؛ مما يعكس البعد البيئي. ويُتوقع أن يعزز الاتفاق نمو الهند بنسبة (1-2) في المئة سنويًّا، خاصة في قطاعات المنسوجات، والجلود، والمجوهرات. وفي قطاع السيارات، سيُسهَّل الاستثمار مع حماية السوق المحلية بحصص محددة، في حين يحقق الاتحاد الأوروبي زيادة في الصادرات. أما في الزراعة، فستحصل الهند على وصول أفضل للشاي والتوابل، مقابل خفض الرسوم على النبيذ والشوكولاته. وفي الخدمات، ستشهد تسهيلات في المالية والتكنولوجيا، مع وصول أفضل إلى سوق الخدمات الهندية. وفي الدفاع، سيعزز التعاون في إعادة التسلح الأوروبي، مع تنويع الموردين بعيدًا عن الصين. ما سبق يعني أن الاتفاق ليس مجرد تخفيض رسوم؛ وإنما إطار شامل للتعاون الاقتصادي والإستراتيجي، يهدف إلى بناء شراكة مستدامة في وجه التحديات العالمية.

العامل الأمريكي وتشديد الضغط على الهند والاتحاد الأوروبي

يُعد العامل الأمريكي -خاصة سياسات ترمب- محركًا رئيسًا لتسريع الاتفاق، حيث فرض ترمب رسومًا جمركية تصل إلى (50) في المئة على الهند في أغسطس (آب) 2025 بسبب شراء النفط الروسي، مما أدى إلى خسائر تصديرية هندية كبيرة. كما هدد بزيادة الرسوم على ثماني دول أوروبية بنسبة (10-25) في المئة بسبب معارضتها لمحاولته شراء غرينلاند، وهذه الضغوط دفعت الطرفين إلى البحث عن بدائل، حيث يُرى الاتفاق على أنه رسالة سياسية ضد الحمائية.

وأثار الاتفاق غضب ترمب، الذي يرى أنه يسمح للنفط الروسي بالوصول غير مباشر إلى أوروبا عبر الهند. وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن الأوروبيين يمولون الحرب ضد أنفسهم بهذا الاتفاق. ومع ذلك، يساعد الاتفاق على تعويض خسائر الهند من الرسوم الأمريكية، ويمنح أوروبا سوقًا بديلة عن الولايات المتحدة، التي أصبحت أقل موثوقية. وفي ظل سياسات ترمب، التي ركزت على “أمريكا أولًا”، أدت الرسوم إلى إعادة توجيه التجارة، حيث خسرت الهند أسواقًا أمريكية في المنسوجات والمجوهرات، مما دفعها إلى تعزيز الروابط مع أوروبا. أما الاتحاد الأوروبي، الذي يواجه تهديدات مستمرة من ترمب، فيمثل له الاتفاق خطوة نحو الاستقلال الاقتصادي، خاصة بعد تهديدات بفرض رسوم على السيارات الأوروبية.

وبهذا أدى العامل الأمريكي دورًا كمحفز لصياغة التحالفات، حيث أصبحت الهند وأوروبا شركاء في مواجهة الحمائية، مع التركيز على بناء سلاسل توريد مستقلة عن الولايات المتحدة؛ فالضغط من ترمب، الذي وصف الهند بملكة الرسوم، دفع نيودلهي إلى تقديم تنازلات في المفاوضات، مثل خفض الرسوم على السيارات؛ لضمان اتفاق يعوض الخسائر الأمريكية. كذلك، أدى التوتر مع الاتحاد الأوروبي إلى دفع الأخير إلى البحث عن شركاء جدد؛ مما جعل الاتفاق أكثر إلحاحًا؛ ما يعني أن سياسات ترمب التي تهدف إلى تعزيز المصالح الأمريكية، أسهمت -على نحو غير مباشر- في تعزيز الروابط بين الآخرين، مما يغير ديناميكيات التجارة العالمية.

تقليل الاعتماد على الصين بوصفه هدفًا طويل الأمد

تشكل الصين عاملًا إستراتيجيًّا آخر، حيث يُرى الاتفاق أداة لمواجهة هيمنتها. وتعتمد الهند على واردات صينية تصل إلى (99.2) مليار دولار في (2024-2025)، تمثل (35) في المئة من عجزها التجاري. ويساعد الاتفاق على تنويع السلاسل التوريدية، خاصة في المنتجات الوسيطة؛ لتقليل الاعتماد على الصين. كما يعزز قدرة الهند على الصعود في سلسلة القيمة، مما يقلق بكين التي تخشى فقدان حصة سوقية في أوروبا. ومن جانب الاتحاد الأوروبي، يدعم الاتفاق إستراتيجية التقليل من الأخطار الصينية، خاصة بعد تصاعد التوترات التجارية.

ويرى الطرفان الصين تهديدًا أمنيًّا، مع نزاعات حدودية للهند، وهيمنة اقتصادية لأوروبا. ومع ذلك، لن يقلل الاتفاق الاعتماد الهندي على الصين تمامًا، حيث تظل الواردات الوسيطة أساسية. وفي سياق التنافس مع الصين، يمثل الاتفاق خطوة نحو بناء تحالفات بديلة، حيث تسعى أوروبا إلى تنويع مصادرها بعيدًا عن الصين في قطاعات مثل التكنولوجيا والطاقة المتجددة. أما الهند، التي تواجه عجزًا تجاريًّا مع الصين يصل إلى (100) مليار دولار سنويًّا، فيوفر لها الاتفاق فرصة لزيادة الصادرات إلى أوروبا؛ مما يساعد على توازن الميزان التجاري.

أدت هيمنة الصين، التي تسيطر على (14) في المئة من التجارة العالمية، إلى مخاوف أوروبية من الاعتماد الزائد، خاصة في السيارات الكهربائية، والألواح الشمسية، حيث فرض الاتحاد رسومًا على الواردات الصينية؛ لذا يعزز الاتفاق هذه الجهود، من خلال تعزيز الاستثمار الأوروبي في الهند بديلًا عن الصين. كذلك، في ظل النزاعات الحدودية بين الهند والصين، لا يصبح الاتفاق مجرد عقد اقتصادي؛ بل أداة جيوسياسية، حيث تدعم أوروبا موقف الهند في المحيط الهندي الهادئ. ومع ذلك، يظل التحدي في استبدال الواردات الصينية الرخيصة، حيث قد يؤدي الاتفاق إلى زيادة التكاليف القصيرة الأمد، لكنه يبني مكاسب طويلة الأمد.

هذا يجعل العامل الصيني كذلك مُحركًا أساسيًّا للاتفاق بين الهند والاتحاد الأوروبي، ولا يقل دوره عما تقوم به الولايات المتحدة في ضوء الصراع بشأن السياسات العالمية الاقتصادية والتجارية والعسكرية، وهذا يعكس تحولًا أوسع في الإستراتيجيات العالمية نحو ضرورة التنويع والاستقلال، لا سيما للقوى النامية والصاعدة في ضوء بيئة دولية شديدة الاضطراب.

التحديات أمام الاتفاق وآفاق المستقبل

في النهاية، ورغم مدح حكومات الهند والاتحاد الأوروبي للاتفاق، فإنه يواجه تحديات مثل الامتثال لمعايير الكربون الأوروبية، التي قد تؤثر في الصادرات الهندية. كما قد يواجه معارضة داخلية في الهند من قطاعات الزراعة والسيارات. على سبيل المثال، في الزراعة، قد تثير التنازلات الهندية مخاوف من تدفق المنتجات الأوروبية، مما يهدد المزارعين المحليين، لكن الاتفاق يشمل حماية للقطاعات الحساسة. وبالمثل في البيئة، فإن آلية تعديل الحدود الكربونية قد تفرض تكاليف إضافية على الصناعات الهندية الثقيلة، مثل الصلب، مما يتطلب استثمارات في التكنولوجيا الخضراء. أما داخل الاتحاد الأوروبي، فقد يثير معارضة من المزارعين الأوروبيين، الذين يخشون المنافسة الهندية في التوابل والشاي. كذلك، يتطلب التنفيذ توافقًا برلمانيًّا، حيث يحتاج البرلمان الأوروبي إلى التصديق، وقد يؤخر ذلك دخول الاتفاق حيز التنفيذ.

ومع ذلك، فالآفاق المستقبلية واعدة، حيث يمكن للاتفاق أن يؤدي إلى زيادة الاستثمار الأجنبي في الهند، خاصة في التصنيع، مما يخلق ملايين الوظائف. وفي الدفاع، قد يؤدي إلى شراكات في صناعة الأسلحة، معززًا قدرات الهند في مواجهة التهديدات الإقليمية. كذلك، يدعم التعاون في الطاقة المتجددة، حيث يساعد التمويل الأوروبي على تحقيق أهداف الهند في خفض الانبعاثات. وقد يصبح الاتفاق نموذجًا للاتفاقيات المستقبلية، يجمع بين التجارة والأمن، ويفتح آفاقًا لتعاون أوسع في التكنولوجيا والدفاع؛ مما يعزز الاستقرار الجيوسياسي في عالم مُضطرب.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع