مقالات المركز

الاتحاد الاقتصادي الأوراسي والعالم العربي


  • 24 مايو 2024

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: ria.ru

يصادف شهر مايو (أيار) 2024 الذكرى السنوية العاشرة لإنشاء الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EEU). وخلال هذه الفترة، اتُّخِذَ مسار مهم لدمج روسيا وبيلاروس وكازاخستان وأرمينيا وقرغيزستان، من خلال التوقيع على اتفاقيات خاصة بشأن مناطق التجارة الحرة، ومنح صفة المراقب لعدد آخر من البلدان. ومن الجدير بالذكر أن الاتحاد الاقتصادي الأوراسي يحتل المرتبة الأولى عالميًّا في إنتاج النفط بنسبة 14.5 %، والمركز الأول في إنتاج الغاز عالميًّا بنسبة 20.2 %، والمركز الرابع في إنتاج الحديد بنسبة 4.7 %، والمركز الخامس لإنتاج الصلب بنسبة 5 %. كما أنها منطقة ضخمة ذات طرق لوجستية، وإمكانات طبيعية وبشرية.

مع أن العقوبات الغربية أثرت- إلى حد ما- في كثافة التجارة مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، فإن التكامل مستمر بشكل عام، ويتم إيجاد طرق لتطوير حلول مستقلة وكافية في سياق السياسة الإقليمية والاقتصادية.

إن الاتحاد الاقتصادي الأوراسي في ذاته هو مشروع جغرافي اقتصادي، وعلى عكس التحالفات والاتحادات الغربية، فإنه لا يفرض أي عقيدة سياسية أو أيديولوجية على أعضائه. الأولوية الرئيسة هي العلاقات المتبادلة المنفعة، حيث تُتخَذ القرارات في الهيئة الرئيسة للاتحاد الاقتصادي الأوراسي بالإجماع، مما يشير إلى الطبيعة الديمقراطية الحقيقية للاتحاد؛ ولذلك فإن اهتمام دول العالم العربي بالتعاون مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي خلال السنوات الماضية آخذ في التوسع.

في عام 2016، اتخذ المجلس الاقتصادي الأوراسي الأعلى قرارًا (بتاريخ 26 ديسمبر/ كانون الأول 2016 رقم 17) يتعلق بـ”بدء المفاوضات مع جمهورية مصر العربية من أجل إبرام اتفاقية بشأن منطقة تجارة حرة”. وقد عُقدت حتى الآن ست جولات من المفاوضات، ومن الواضح أن المفاوضات بشأن هذه القضية ستستمر في العام الجاري 2024. المهم هو أن عملية التفاوض والانضمام مفتوحة، ويوجد نموذج ملاحظات على الموقع الإلكتروني للجنة الاقتصادية الأوراسية، يمكن من خلاله إرسال مقترحات بشأن الاتفاقية المحددة. وفي 9 ديسمبر (كانون الأول) 2022، قرر المجلس الاقتصادي الأوراسي الأعلى بدء المفاوضات مع دولة الإمارات العربية المتحدة بشأن إبرام اتفاقية تجارة حرة. وفي عام 2023، جرت بالفعل جولتان من المفاوضات بشأن هذه المسألة.

قد يبدو غريبًا أن سوريا ليست على قائمة الدول العربية المهتمة بالدخول في مفاوضات خاصة مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ويرجع ذلك- على الأرجح- إلى استمرار الصراع في هذا البلد، مع أن رئيس الوزراء السوري وائل الحلقي ذكر في يوليو (تموز) 2015، خلال اجتماع وزاري في دمشق، أن المفاوضات جارية مع روسيا بشأن الانضمام إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وقال: “نعتبر ذلك فائدة وتقوية للعلاقات، ونعتزم تطوير التعاون التجاري مع الاتحاد”. وبما أن روسيا وسوريا حليفتان، وبالإضافة إلى ذلك يعيش عدد كبير من الأرمن في سوريا، فإن هذا يحفز الاهتمام المتبادل بالتكامل من خلال الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.

على أرض الواقع، مصر والإمارات فقط، هما اللتان دخلتا في عملية المفاوضات الجارية، ولكن هذا لا يعني أن الآخرين يقفون على الهامش. في سبتمبر (أيلول) 2017، وقع الأردن مذكرة تفاهم مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي لتعزيز التجارة وتنويعها بين الأردن والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ووقع المغرب والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، يوم 28 سبتمبر (أيلول) 2017 بالرباط، مذكرة تعاون من أجل تعزيز العلاقات والتفاعل الاقتصادي، مما يدل على أن دول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ترى المغرب شريكًا موثوقًا به، وبوابة إلى إفريقيا وغيرها من المناطق التي ترتبط بالمملكة المغربية، ولديها علاقة وثيقة معها.

على جانب آخر، في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2022، التقى في الرياض مدير إدارة السياسة الصناعية والزراعية في اللجنة الاقتصادية الأوراسية، أرمين هاروتيونيان، وعدد آخر من المسؤولين، بنظرائهم السعوديين، وناقش الطرفان مجموعة كبيرة من القضايا ذات الاهتمام المشترك، منها تطوير الزراعة العضوية، وضمان الأمن الغذائي، والتنمية المستدامة للمجمع الصناعي الزراعي في مواجهة تغير المناخ، وتم النظر في مقترحات لتطوير اتفاقية دولية بين الاتحاد الاقتصادي الأوراسي والمملكة العربية السعودية بشأن معادلة أنظمة الزراعة العضوية لضمان التجارة الحرة في المنتجات العضوية، وإنشاء منصة مشتركة لجذب الاستثمارات، وترويج المنتجات الزراعية والغذائية المنتجة في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي إلى أسواق دول ثالثة. وفي عام 2023، تم تأكيد اهتمام الاتحاد الاقتصادي الأوراسي والمملكة العربية السعودية بتوسيع التعاون.

بشكل عام، تعد السعودية دائمًا من بين أكبر 15 مستهلكًا للمنتجات الزراعية في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. وبحسب بيانات عام 2019، احتلت السعودية عام 2018 المرتبة الثانية عشرة بين جميع الدول الشريكة من حيث الصادرات الزراعية من الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، مع أفضل نتيجة (المركز التاسع) في عامي 2012 و2015. وكانت أفضل نتيجة لدولة الإمارات العربية المتحدة هي المركز السابع عشر في عام (2017) بين جميع الدول الشريكة التي يصدر إليها الاتحاد الاقتصادي الأوراسي المنتجات الزراعية، في حين احتل العراق المركز الخامس والعشرين (2015 و2016). وكانت بقية الدول في عام 2018 من بين أكبر مئة مشترٍ من الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (عمان: المركز 54، قطر: المركز 75، الكويت: المركز 93)، باستثناء البحرين (المركز 114 في عام 2018).

تعد المنتجات الزراعية المستوردة من دول الخليج قليلة جدًّا. على سبيل المثال، في عام 2018، احتلت دولة الإمارات المركز الـ75 بين الدول الموردة للمنتجات الزراعية إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، والمملكة العربية السعودية المركز الـ121، وعمان المركز الـ162، والكويت المركز الـ172، والبحرين المركز الـ176. ولم يورّد العراق وقطر أي منتجات زراعية إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي في عام 2018. ويشير هذا إلى أن هذه الدول مهتمة أكثر بتلقي المنتجات الزراعية من الاتحاد الاقتصادي الأوراسي؛ لأنها تفتقر إلى مجموعة معينة من المنتجات الزراعية بسبب المناخ الحار.

أما دول آسيا الوسطى، وعلى نطاق أوسع دول ما بعد الاتحاد السوفيتي، فاهتمامها الأساسي يكمن في استخدام الخدمات اللوجستية، والموارد الروسية، والوصول إلى أسواقها، بما في ذلك العمالة، فما المصلحة التي قد تكون لدى الدول العربية؟

أولًا: العامل الرئيس هو تحسين التعريفات، وآليات التفاعل التجاري والاقتصادي من خلال إنشاء مناطق التجارة الحرة، والأنظمة الخاصة الأخرى. ثانيًا: الخدمات اللوجستية، حيث إن روسيا كثّفت الآن عددًا من المشروعات الإقليمية، مثل طريق بحر الشمال، وممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب (تجدر الإشارة إلى أنه في أغسطس/ آب 2023، أُرسِلَ أول قطار من روسيا عبر إيران إلى السعودية). ثالثًا: الاستثمارات والمشروعات المشتركة، نظرًا إلى أننا نتحدث عن رابطة فوق وطنية، فمن خلال هياكلها سيكون من الأسهل بكثير حماية كل البلدان الأعضاء من التأثير السياسي غير المرغوب فيه (وهو ما ستحاول الولايات المتحدة وتابعوها القيام به). رابعًا: هناك خطر متصاعد من استخدام الدولار عملةً احتياطية، وسوف يرغب عدد من الدول العربية التي تمتلك مثل هذه الأصول، في تنويع استثماراته، وهو ما يمكن القيام به من خلال صناديق استثمارية جديدة، بالتعاون مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، أو بعض المبادرات المبتكرة.

هناك أيضًا رأي مفاده أن أهداف المشاركة في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي قد تكون مختلفة؛ ومن ثم قد تحصل كل دولة على تفضيلات مختلفة، اعتمادًا على مشاركتها وقدراتها. ولنلاحظ أن عملية ربط الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ومبادرة الحزام والطريق الصينية، مستمرة؛ لذا قد يكون هذا المتجه موضع اهتمام الدول العربية أيضًا.

وأخيرًا، من الممكن أن تكون صيغة بريكس (بلس) منصة اختبار إضافية. ومن المنتظر أن يُناقش خلال القمة في روسيا هذا العام مشروع لإطلاق نظام تسوية بديل بين الدول لتجنب الاعتماد على آليات “سويفت” الغربية، المستخدمة لأغراض سياسية عقابية، وبشكل عام، الابتعاد عن آلية “سويفت” الغربية، وهيمنة الدولار. ويمكن لمصر والسعودية والإمارات، بوصفها أعضاء جددًا في مجموعة بريكس (بلس)، أن تطرح مقترحاتها للمناقشة، وأن تصبح بمنزلة الناطق باسم العالم العربي في هذا النادي، في حين لم تنضم إليه دول أخرى في المنطقة بعد.

مع أنه في سياق الاضطرابات السياسية العالمية لا يزال هناك إغراء للانتظار، ورؤية ما سيحدث بعد ذلك، فمن الواضح أن روسيا لا تزال في موقف قوي جدًّا، وقد أدى التوجه الروسي باتخاذ مسار تنمية بعيد عن الغرب إلى الانتقال إلى سياسة اقتصادية جديدة تثبت نجاحها. وبوصفها أقوى عضو في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ستسعى روسيا جاهدة إلى دعم شركائها في الاتحاد، وقد يكون هذا أيضًا حافزًا جيدًا لأولئك الذين لم يقرروا بعد المشاركة في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.


شارك الموضوع