
في العاشر من يوليو (تموز) 2026 أعلن الجيش المالي استعادة السيطرة الكاملة على بلدة أنفيس في إقليم كيدال شمال شرقي البلاد، بعد نحو أسبوع من قتال عنيف ضد تحالف ميداني يضم جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة. وجاءت الاستعادة بدعم مباشر من «الفيلق الأفريقي» الروسي، الذي صمدت عناصره داخل معسكر البلدة طوال أيام الحصار، ثم شكلت عماد رتل فك الحصار القادم من غاو. وقد يبدو الحدث، للوهلة الأولى، تعديلًا محدودًا في خريطة سيطرة متقلبة أصلًا، غير أنه، في سياقه الأوسع، يمثل لحظة كاشفة لتحول أعمق في طبيعة الحرب المالية، من صراع على المدن إلى صراع على الطرق وخطوط الإمداد وزمام المبادرة. وتتمثل الإشكالية المركزية لهذه المقالة في السؤال التالي: هل تقدم استعادة أنفيس دليلًا على نجاح الاستراتيجية العسكرية الجديدة لباماكو وموسكو بعد صدمة سقوط كيدال في أبريل (نيسان)، أم تكشف، في الوقت نفسه، عن دخول الصراع مرحلة أشد تعقيدًا عنوانها الاستنزاف، وضرب الأرتال، وفتح الجبهات المتزامنة؟ والإجابتان، كما سيتبين، صحيحتان معًا.
لا تستمد أنفيس أهميتها من حجمها، بل من موقعها على المحور البري الرابط بين غاو وكيدال، على بعد نحو مئة كيلومتر جنوب غربي كيدال، وعلى تخوم وادي تيليمسي؛ فهي عقدة يمر عبرها كل تحرك عسكري أو لوجستي بين وسط البلاد وأقصى شمالها. ومنذ سقوط كيدال في 25 أبريل (نيسان) بيد التحالف نفسه، غدت أنفيس آخر موطئ قدم متقدم للدولة على طريق كيدال، وشريان الإمداد البري شبه الوحيد لقاعدة أغلهوك المعزولة شمالًا. ولذلك كانت رهانات المعركة واضحة؛ فسقوطها كان سيعزل أغلهوك، ويجعلها رهينة الجسر الجوي، ويطوي عمليًا أي حديث عن استعادة كيدال، ويمنح الجماعات المسلحة تحكمًا شبه كامل بحرية الحركة في الشمال، بينما يبقي صمودها لباماكو نقطة ارتكاز لاستراتيجيتها الشمالية.
بدأت المعركة فجر 4 يوليو (تموز) بهجمات متزامنة طالت أنفيس وأغلهوك وغاو ومواقع في وسط البلاد وجنوبها. وسيطر المهاجمون سريعًا على البلدة، لكنهم أخفقوا في اقتحام معسكرها الذي تحصن فيه جنود ماليون وعناصر من الفيلق الأفريقي. وفي اليوم التالي، دفعت باماكو تعزيزات ومروحيات من غاو لإسناد القاعدة وإجلاء الجرحى، غير أن الرتل ارتد تحت الكمائن، وأسقط المهاجمون مروحية «مي-24» قرب تابريشات، ليكتمل الحصار على القاعدة. وتحولت الأيام التالية إلى حرب مواقع واستنزاف، اتسمت بموجات هجوم متكررة، واستخدام متبادل للسيارات المفخخة والمسيرات، وضربات جوية ومدفعية، مع تقارير عن خسارة الجيش وحلفائه طائرة «سوخوي-24» إضافة إلى المروحية. ثم انطلق من غاو رتل من عشرات المركبات ضم جنودًا ماليين وعناصر من الفيلق وميليشيات شمالية موالية لباماكو، وقطع، بإسناد جوي متواصل، أكثر من مئتي كيلومتر تحت الكمائن حتى بلغ أنفيس مساء 9 يوليو (تموز)، فانسحب المهاجمون مخلفين آليات محترقة، وأعلن الجيش في اليوم التالي بسط سيطرته، مع تفاوت طفيف بين الروايات حول التوقيت.
وتتضارب روايات الخسائر، كما في كل جولة من هذه الحرب، إلى حد يصعب معه التوفيق بينها. فقد تحدث الجيش المالي أولًا عن «تحييد» نحو مئة مسلح، ثم رفع الرقم لاحقًا إلى ما يزيد على الألف، فيما تحدث بيان الفيلق الأفريقي عن أكثر من ألفي قتيل في صفوف المهاجمين. وأقر قائد الجيش، الجنرال جان إليزيه داو، بمقتل نحو ثلاثين جنديًا وإصابة نحو ستين. أما جبهة تحرير أزواد، فقالت إنها فقدت بعض أفضل مقاتليها، لكنها ألحقت بخصومها أفدح خسائر بشرية ومادية في تاريخهم، وأعلن متحدثها محمد المولود رمضان أن قواته «قررت مغادرة أنفيس لدواعٍ استراتيجية ولتجنب وقوع خسائر مدنية»، زاعمًا أن الروس شكلوا نحو 95% من قوة فك الحصار. ولأن شمال مالي شبه مغلق أمام الصحافة المستقلة، تبقى هذه الأرقام جميعها روايات أطراف متحاربة، لا وقائع موثقة.
غير أن الوقائع الثابتة تكفي لاستخلاص الدرس الأهم: نجاح تكتيكي لا يرقى إلى انتصار استراتيجي. فالبلدة تبادلت السيطرة مرتين في أسبوع، ولا يملك أي طرف الإمساك بالفضاءات الشاسعة بين المدن. والأخطر أن أسلوب الهجوم يشي بتحول نوعي في استراتيجية الجماعات المسلحة. ففي 25 أبريل (نيسان) اعتمد التحالف ضربات خاطفة متزامنة أسقطت كيدال وقتلت وزير الدفاع ساديو كامارا بسيارة مفخخة قرب العاصمة، أما في يوليو (تموز) فقد ثبت المهاجمون هدفًا واحدًا، ومزجوا حرب العصابات بحصار شبه تقليدي امتد أيامًا. وبعبارة أخرى، بات الخصم يتنقل بين النمطين وفق حساباته، ويدير حربًا قوامها الهجمات المتزامنة على مناطق متعددة، واستهداف الأرتال، وضرب خطوط الإمداد، وإجبار الجيش على التمدد فوق جغرافيا هائلة، مستبدلًا بالمواجهة الحاسمة استنزافًا طويل النفس. وقد جرب هذا المنطق في حصار الوقود الذي خنق باماكو أواخر عام 2025، حين استهدفت الدولة من شرايينها لا من مدنها.
وهنا تكمن المفارقة التي تختصر المعركة؛ فقد نجحت القوات المالية والروسية في الوصول إلى أنفيس وفك الحصار، لكن خصومها نجحوا في جعل الوصول إلى أنفيس معركة بحد ذاتها. فحين يتطلب إيصال رتل إمداد عملية عسكرية كاملة بغطاء جوي، ترتفع كلفة مجرد البقاء في الشمال إلى مستويات يصعب احتمالها، وتغدو كل نقطة تمسكها الدولة عبئًا لوجستيًا بقدر ما هي مكسب. تلك هي فلسفة حرب الاستنزاف؛ فلا يشترط الخصم أن ينتصر في المعارك، بل يكفيه أن يجعل كل معركة باهظة الثمن.
ويحتاج التنسيق بين جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى دقة في التوصيف. فالطرفان ليسا تنظيمًا واحدًا ولا تحالفًا أيديولوجيًا مكتملًا؛ فالجبهة مشروع انفصالي محلي ذو قاعدة طوارقية وعربية، والجماعة مشروع جهادي عابر للحدود مرتبط بالقاعدة، وبينهما تاريخ من التوتر والتعايش الرمادي، بل والاقتتال. غير أن ما جرى منذ أبريل (نيسان)، وتكرر في أنفيس، يتجاوز تقاطع المصالح الظرفي إلى تنسيق عملياتي فعلي، تمثل في هجمات متزامنة، وتقاسم أدوار، وبيانات متبادلة. وتشير تحليلات، بينها ما أورده الصحفي وسيم نصر، إلى تفاهم عام 2025 قايض دعم الجماعة العسكري بقبول الجبهة ترتيبات حكم مستوحاة من الشريعة. وهو تفاهم هش تعتريه توترات كامنة حول الحكم والتمثيل، وقد يكلف الجبهة سياسيًا بربط صورتها بتنظيم مصنف إرهابيًا. لكن خطورته على باماكو لا تتوقف على اكتماله؛ إذ يكفي أن تواجه الدولة، في آن واحد، قوة محلية تعرف جغرافيا الشمال معرفة أهلها، وشبكات جهادية مرنة قادرة على فتح جبهات من إقليم كيدال إلى محيط العاصمة.
وتضع المعركة الدور الروسي تحت مجهر أدق. فمنذ منتصف عام 2025 حل الفيلق الأفريقي محل «فاغنر» في مالي، في انتقال تجاوز مجرد تغيير الاسم، من شركة عسكرية شبه خاصة كانت تتيح لموسكو هامش إنكار، إلى تشكيل مرتبط بوزارة الدفاع الروسية تتحمل موسكو مسؤولية مباشرة عن أدائه ونتائجه. وبهذا، لم تعد مالي مجرد ساحة نفوذ، بل حجر الزاوية في المشروع الروسي بالساحل، ومختبر مصداقية روسيا بوصفها شريكًا أمنيًا بديلًا عن القوى الغربية، بعد انحسار النفوذ الفرنسي، وخروج بعثة الأمم المتحدة، وإعادة تشكيل الترتيبات الأمنية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو؛ فما يجري على محور غاو–كيدال تقرؤه عواصم أفريقية تفاضل بين عروض الحماية والتسليح.
من هذه الزاوية، حملت أنفيس رسالة روسية مزدوجة. فصمود عناصر الفيلق في القاعدة المحاصرة، ثم دورهم المحوري في رتل فك الحصار، يقولان إن موسكو ما زالت مستعدة للقتال إلى جانب حلفائها، وتزويدهم بالعتاد والخبرة والإسناد الجوي والمسيرات، ضمن تعاون عسكري يتسع مع دول تحالف الساحل. وقد سارع الإعلام الروسي وشبكاته إلى تقديم الاستعادة انتصارًا مشتركًا. لكن السجل القريب يكشف حدود هذا النجاح؛ فقبل أقل من ثلاثة أشهر انسحب الفيلق نفسه من كيدال وتيساليت ضمن ترتيبات ميدانية، وقبلها تلقت فاغنر في تينزاواتين، صيف عام 2024، إحدى أفدح ضرباتها في أفريقيا. فالتفوق الناري يحسم نقاطًا ويفتح طرقًا، لكنه لا يمسك فضاءً مفتوح الحدود تتحرك فيه جماعات تعرف متى تشتبك ومتى تذوب في الصحراء لتظهر حيث لا تنتظرها المدافع. وهنا الجواب الضمني عن السؤال الجوهري: ما دام الخصم يحتفظ بالمبادرة ويختار زمان الاشتباك ومكانه، فأقصى ما تنتجه القوة التقليدية تعادل مكلف يتجدد، لا نصر يحسم.
وثمة بعد سياسي واجتماعي كثيرًا ما تحجبه لغة البيانات العسكرية؛ فالسيطرة على المدن لا تنتج استقرارًا بذاتها، إذ إن انهيار اتفاق الجزائر للسلام، وتراكم مظالم مجتمعات الشمال، وتضييق المجال السياسي، الذي يحمل بعض المحللين جانبًا من مسؤوليته في تقارب خصوم باماكو، كلها عوامل تمنح الجماعات المسلحة بيئة تعيد فيها إنتاج نفوذها خلف كل بلدة مستعادة. ومن دون مسار سياسي، واستخبارات محلية، وإدارة رشيدة للعلاقة مع سكان الشمال، ستبقى الانتصارات التكتيكية جزرًا معزولة في محيط غير مستقر.
تتيح المعركة استخلاص خمس نتائج استراتيجية:
أولًا، استعادة أنفيس نجاح تكتيكي حقيقي للقوات المالية والروسية، حفظ خطوط باماكو نحو الشمال، ومنع انهيارًا أوسع في إقليم كيدال، لكنه ليس دليلًا كافيًا على حسم الصراع أو انتقال المبادرة إلى الدولة.
ثانيًا، يتحول الصراع بصورة متسارعة إلى حرب استنزاف وحرب على خطوط الحركة والإمداد، لا مجرد حرب على المدن؛ فمن يقطع الطرق ويستهدف الأرتال يفرض إيقاع الحرب، ولو من خارج البلدات.
ثالثًا، قد يشكل التنسيق التكتيكي بين قوى متباينة الأيديولوجيا والأهداف تحديًا أخطر من قدرة كل تنظيم منفردًا، لأنه يجمع المعرفة المحلية العميقة بالمرونة العملياتية، ويجبر الدولة على القتال في اتجاهات متعددة معًا.
رابعًا، لن يقاس مستقبل الدور الروسي في الساحل بعدد البلدات المستعادة، بل بقدرة موسكو وحلفائها على تحويل التفوق العسكري والناري إلى أمن مستدام وسيطرة طويلة الأمد؛ وهي معادلة لم تتحقق بعد.
خامسًا، تحتاج باماكو إلى ما هو أبعد من الحسم الناري؛ مزيج من القوة العسكرية، والاستخبارات الدقيقة، والسياسة المحلية، والإدارة الواعية للعلاقة مع مجتمعات الشمال، وإلا ظلت تربح المعارك وتخسر البيئة التي تدور فيها.
وفي المحصلة، قد يربح من يسيطر على أنفيس معركة، أما من يسيطر على طرق الحركة، ويحتفظ بزمام المبادرة، ويملك نفس الصمود في حرب استنزاف طويلة، فهو من سيكتب الفصل المقبل من مستقبل مالي والساحل.
ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير