
شهدت منطقة الخليج العربي خلال عام 2026 تطورات أمنية لافتة، تمثلت في إبرام اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس (آب) 2026 بقصر الصفا في مكة المكرمة، ثم توقيع مذكرة تفاهم بدر للصناعات الدفاعية في الدوحة في 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2026 بين قطر وتركيا وباكستان وإندونيسيا. ويأتي هذان الترتيبان العسكريان في سياق حرب إيرانية أمريكية-إسرائيلية تصاعدت خلال عام 2026، وتصاعد هجمات الحوثيين على الأراضي السعودية، وتآكل الثقة في موثوقية الضمان الأمني الأمريكي التقليدي، بعد سنوات من تردد واشنطن في الرد على تهديدات مباشرة للبنى التحتية الحيوية.
تنص اتفاقية مكة، المؤلفة من ست عشرة مادة، على مبدأ الدفاع الجماعي، بحيث يعد أي هجوم مسلح خارجي على أحد الأطراف هجوما على الجميع، مع الالتزام بتقديم المساعدة الفورية باستخدام الوسائل المتاحة، بما في ذلك الوسائل العسكرية، وفقا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. كما تركز على التعاون في الصناعات الدفاعية والاستخبارات والتدريبات المشتركة ومكافحة الإرهاب، وتأسيس أمانة عامة مقرها الرياض، يرأسها في البداية مسؤول باكستاني. وتستند الاتفاقية إلى اتفاق دفاعي ثنائي سعودي-باكستاني سابق أبرم في سبتمبر (أيلول) 2025، وقد فعلت عمليا في أكتوبر (تشرين الأول) 2026 استجابة لهجمات حوثية، إذ اتفقت الأطراف على نشر قدرات عسكرية ودفاعات جوية في السعودية.
أما مذكرة بدر، فهي إطار صناعي وليست اتفاقا ملزما للدفاع المتبادل، وتهدف إلى تعزيز الإنتاج المشترك والبحث والتطوير والتدريب التقني العسكري بين الدول الأربع: قطر وتركيا وباكستان وإندونيسيا. كما تهدف مذكرة بدر إلى تحقيق التكامل بين القدرات العسكرية للدول المشاركة، من خلال التكنولوجيات الدفاعية المتقدمة التي تمتلكها تركيا، بما في ذلك المسيرات والإلكترونيات، والموارد المالية القطرية، والخبرات العسكرية والصناعية الباكستانية، والطموحات التصنيعية الإندونيسية. ويمثل هذا الترتيب امتدادا للتعاون الثنائي القائم بين الدوحة وأنقرة خصوصا، ونقله إلى إطار متعدد الأطراف، مما يعكس الرغبة في توطين القدرات وتقليل الاعتماد على المصادر التقليدية.
يحمل هذان الترتيبان دلالات مهمة للأمن الإقليمي في الخليج، فهما يمثلان تحولا نحو استراتيجية التعددية الاستراتيجية أو “التعددية في التحالفات”، حيث تسعى دول خليجية، مثل السعودية وقطر، إلى تنويع مصادر الأمن بعيدا عن الاعتماد شبه الحصري على الولايات المتحدة. وتوفر اتفاقية مكة طبقة ردع إضافية من خلال الشراكة مع قوة نووية (باكستان) وقوة عسكرية كبرى ذات صناعة دفاعية متقدمة (تركيا)، بينما تعزز مذكرة بدر الاستقلالية الصناعية. ويأتي هذا التنويع ردا على تجارب سابقة، مثل هجمات أرامكو عام 2019 وهجمات الحوثيين المتكررة، إذ لم تكن الاستجابة الأمريكية دائما فورية أو كافية وفق توقعات الدول الخليجية. كما يعكس تطلعا إلى بناء قدرات ذاتية مستدامة تتماشى مع رؤية السعودية 2030 في توطين الإنفاق العسكري.
ويعكس هذا التحول نحو شراكات آسيوية أو أوروبية مختلفة بعيدا عن الولايات المتحدة استراتيجية تحوط كلاسيكية، تحافظ بموجبها الدول الخليجية على علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن، لكنها تبني في الوقت نفسه خيارات بديلة تقلل من درجة الاعتماد الأحادي وتعزز هامش المناورة في أوقات الأزمات. ومن منظور توازن القوى، يضيف انخراط تركيا وباكستان عناصر ردع قد تساهم في رفع تكلفة أي هجوم محتمل على السعودية أو قطر، لكنه يفتح في الوقت نفسه الباب أمام مخاطر التشظي إذا ما تعارضت أولويات الأطراف، أو إذا تحولت الاتفاقية إلى أداة في تنافسات إقليمية أوسع.
يبرز في هذا السياق دور الفاعلين الخارجيين غير الأمريكيين بوصفهم شركاء استراتيجيين جددا في الأمن الخليجي. فتركيا، رغم عضويتها في حلف شمال الأطلسي، تتبنى سياسة خارجية مستقلة تسعى من خلالها إلى تعزيز نفوذها في العالم الإسلامي عبر الدبلوماسية العسكرية والصناعات الدفاعية، مستفيدة من قدراتها التكنولوجية الناشئة وعلاقاتها الاقتصادية المتنامية مع دول الخليج. أما باكستان، فتستثمر علاقتها التاريخية العميقة مع السعودية وقدراتها العسكرية التقليدية وامتلاكها للسلاح النووي لتوفير طبقة ردع استراتيجي غير معلنة، مما يمنح الاتفاقية أبعادا تتجاوز القدرات التقليدية. وتضيف إندونيسيا بعدا جغرافيا أوسع يربط الخليج بدولة مسلمة كبرى ذات طموحات صناعية في جنوب شرق آسيا، مما قد يساهم في تنويع شبكات التعاون الدفاعي خارج الإطار الإقليمي الضيق. غير أن انخراط هؤلاء الفاعلين يحمل مخاطر التورط في صراعات خارجية، أو تعقيد العلاقات بين دول الخليج، خاصة في ظل التباينات بين السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر من جهة، وبين تركيا وبعض الدول الخليجية في ملفات أخرى من جهة ثانية.
ويثير هذا الواقع وجهات نظر متباينة بشأن ما إذا كان يعكس سياسة أمريكية “متعمدة” لرعاية محاور لتوازن القوى تسهل تخفيف الانخراط العسكري المباشر في المنطقة أم لا. وقد رحب الرئيس دونالد ترمب باتفاقية مكة، ووصفها بأنها “خطوة كبيرة وجريئة ومهمة” تسمح لدول المنطقة بالدفاع عن نفسها بفعالية أكبر، مشيدا بنشر قوات تركية وباكستانية في السعودية. ويتسق هذا الموقف مع سياسة تقاسم الأعباء التي تروج لها إدارته، والتي تشجع الحلفاء على تحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم، خاصة في ظل التركيز على التنافس مع الصين في آسيا والمحيط الهادئ، وتكاليف الانخراط الطويل في الشرق الأوسط.
ومع ذلك، لا يوجد دليل على أن واشنطن “أسست” هذه المحاور أو رعتها عمدا لخلق توازن قوى يسهل انسحابها. بل على العكس، يبدو أن هذه الترتيبات جاءت بمبادرة إقليمية، وأن واشنطن لم تكن المهندس الرئيسي لها. ويمكن قراءة هذه الاتفاقات بوصفها مؤشرا على تآكل النظام الأمني الأمريكي التقليدي، أو طبقة إضافية لا تلغي الدور الأمريكي الأساسي في الأسلحة عالية التقنية والدفاع الجوي والقواعد العسكرية، إذ تظل الولايات المتحدة المورد الرئيسي للأسلحة، وتستمر الاتفاقيات الثنائية الاستراتيجية مع السعودية وغيرها. فالسياسة الأمريكية هنا أقرب إلى “الموازنة عن بعد” أو تشجيع المسؤولية الإقليمية، منها إلى هندسة محاور متعمدة.
عموما، تحمل السياسات الأمنية والعسكرية في المنطقة عدة أبعاد. فمن ناحية، تسعى هذه السياسات إلى تعزيز الردع وتقليل نقاط الضعف، وقد يساهم هذا النوع من الترتيبات العسكرية في تحقيق استقرار نسبي. ولكن من ناحية أخرى، قد يؤدي إلى تعدد الجبهات في ظل غياب تعريف واضح للعدو، إذ تؤكد جميع الأطراف المشاركة الطابع الدفاعي لهذه الترتيبات وعدم توجيه أي تحالف لردع تهديدات بعينها. كما قد يؤدي إلى التورط في صراعات خارجية، مثل التوتر الهندي-الباكستاني أو التركي-الإسرائيلي، أو الدخول في سباق تسلح. فضلا عن ذلك، فإن القدرات العسكرية لتركيا وباكستان لا تعادل القدرات الأمريكية في الردع عالي الكثافة ضد التهديدات التقليدية أو غير التقليدية الكبرى.
أخيرا، تعكس اتفاقية مكة ومذكرة بدر مرحلة انتقالية في الأمن الإقليمي الخليجي، تتسم بتعددية أكبر في مصادر الردع والقدرات الصناعية، وتراجع نسبي في حصرية الدور الأمريكي، دون أن تصل إلى حد استبدال الضمان الأمريكي التقليدي. وهي نتاج تفاعل بين طموحات إقليمية لتحقيق الاستقلالية الاستراتيجية، وتجارب سابقة كشفت عن حدود الاعتماد الأحادي، وسياسة أمريكية تشجع تقاسم الأعباء دون أن تكون بالضرورة مصممة لهندسة محاور لتوازن القوى بهدف الانسحاب.
ويبقى مدى قدرة هذه الترتيبات على توفير أمن مستدام وفعال رهنا بنجاحها في التكامل مع المنظومة الأمريكية القائمة، وتجاوز العقبات المؤسسية والتكنولوجية، وتجنب التعقيدات الجيوسياسية غير المحسوبة التي قد تنشأ عن انخراط فاعلين خارجيين ذوي أولويات متباينة وتاريخ من التنافس الإقليمي. وفي حال نجحت هذه الترتيبات في بناء قدرات ردعية وصناعية متكاملة دون إثارة تصعيدات جديدة، فقد تشكل نموذجا جديدا للأمن الإقليمي في مرحلة ما بعد الهيمنة الأمريكية الأحادية. أما إذا تعثرت في تجاوز حدودها المؤسسية والتشغيلية، فقد تظل مجرد طبقة إضافية محدودة التأثير في منظومة أمنية لا تزال تعتمد بشكل أساسي على القدرات الأمريكية.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير