
لطالما اعتُبرت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل واحدة من أكثر الشراكات الاستراتيجية استدامة في السياسة الدولية الحديثة. فقد قدمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة لإسرائيل دعمًا عسكريًا وسياسيًا واستخباراتيًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا واسع النطاق، كما وفرت لها، في كثير من الأحيان، غطاءً سياسيًا في المحافل الدولية، وعطلت قرارات اعتُبرت معادية للمصالح الإسرائيلية داخل المؤسسات الدولية.
ومع ذلك، تشير التطورات الأخيرة إلى أن الطبيعة التقليدية وغير المشروطة لهذا التحالف قد تدخل مرحلة جديدة. فالتوترات المتزايدة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب التحول في المقاربة الأمريكية تجاه إيران والدبلوماسية الإقليمية، أثارت تساؤلات متزايدة حول مستقبل الدعم الأمريكي لإسرائيل، وانعكاسات ذلك على ميزان القوى في الشرق الأوسط.
أسهمت المساعدات العسكرية الأمريكية، والحماية الدبلوماسية، والتعاون الاستخباراتي، والدعم السياسي، في تمكين إسرائيل من الحفاظ على تفوق استراتيجي واضح في المنطقة. كما استخدمت الولايات المتحدة مرارًا نفوذها داخل المؤسسات الدولية للدفاع عن إسرائيل في مواجهة قرارات الإدانة أو العقوبات، في حين لعبت جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وعلى رأسها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)، دورًا مؤثرًا في رسم ملامح السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.
ويعد جون ج. ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، أحد أبرز الباحثين الذين تناولوا هذا الملف. ففي عام 2006 شارك في تأليف كتاب «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية»، الذي يناقش تأثير اللوبي الإسرائيلي، ولا سيما لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)، في توجيه السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط.
وبحسب صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، أنفقت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC) أكبر مبلغ في تاريخ الانتخابات التمهيدية لمجلس النواب الأمريكي، بهدف هزيمة النائب الجمهوري توماس ماسي في الانتخابات التي جرت في 19 مايو (أيار).
وأعقب ذلك تصاعد موجة من الانتقادات داخل ولاية كنتاكي، حيث ردد عدد من الناخبين هتافات غاضبة ضد إسرائيل ولجنة (AIPAC). ويرى كثير من الأمريكيين، من مختلف الاتجاهات السياسية، أن التأثير المتزايد للجنة في الانتخابات الأمريكية لصالح دولة أجنبية يثير حالة من الاستياء داخل الرأي العام.
ويُنسب إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون قوله إن أكبر مخاوف إسرائيل ليست العالم العربي أو إيران، وإنما أن “تستيقظ صباحًا لتكتشف أن الدعم الأمريكي لم يعد موجودًا”.
واليوم، يبدو أن هذا القلق التاريخي عاد ليطرح نفسه بقوة أكبر من أي وقت مضى.
خلال مكالمة هاتفية متوترة جرت في ذروة التصعيد بين إسرائيل وإيران، حث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على عدم الرد عسكريًا. ووفقًا لتقارير إعلامية، حذر ترامب نتنياهو قائلًا: “يجب أن تكون حذرًا جدًا فيما تفعله، لأنك قد تجد نفسك قريبًا في مواجهة إيران بمفردك.” وفي السياق نفسه، قال نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس: “لو كنت عضوًا في الحكومة الإسرائيلية، لما كنت أهاجم الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم كله.” وجاء هذا التصريح أثناء دفاعه عن مذكرة التفاهم الجديدة التي وقعها الرئيس ترامب مع إيران.
كما انتقد فانس إسرائيل بسبب الهجمات التي استهدفت بيروت، والتي أسفرت عن سقوط عدد كبير من المدنيين، معتبرًا أنها عرضت الجهود الدبلوماسية التي تقودها إدارة ترامب لإنهاء الحرب للخطر.
وعلى خلاف عدد من الرؤساء الأمريكيين السابقين، الذين كانوا غالبًا ما يستجيبون للمخاوف الإسرائيلية حتى في أوقات الخلاف، أظهر ترامب ميلًا واضحًا إلى مقاومة الضغوط، والمطالبة بأن يلتزم الحلفاء والخصوم، على حد سواء، بالمصالح الأمريكية كما تراها إدارته.
وبناءً على ذلك، تبدو العلاقة بين ترامب ونتنياهو أقل شبهًا بتحالف تقليدي بين شريكين استراتيجيين، وأكثر قربًا من صراع نفوذ بين زعيمين اعتاد كل منهما فرض رؤيته على المشهد السياسي.
برزت الخلافات بين واشنطن وتل أبيب بصورة أوضح في الملف اللبناني. فالولايات المتحدة تنظر إلى جنوب لبنان ضمن رؤية إقليمية أوسع، ترتبط بملفات متعددة، من بينها أمن الملاحة في الخليج، وفتح مضيق هرمز، وإنهاء المواجهة مع إيران عبر المسار الدبلوماسي.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى جنوب لبنان من زاوية أمنها القومي بصورة تكاد تكون حصرية. وفي حين يشجع المسؤولون الأمريكيون الانخراط الدبلوماسي وتعزيز المباحثات بين لبنان وإسرائيل، يتمسك القادة الإسرائيليون باستمرار الانتشار العسكري ما دام حزب الله يُنظر إليه باعتباره تهديدًا مباشرًا للمناطق الشمالية في إسرائيل.
يجمع نهج ترامب–فانس بين الشعبوية القومية والواقعية الاستراتيجية، إذ يرفض الافتراض التقليدي القائل بضرورة الحفاظ على التحالفات بغض النظر عن تكلفتها، ويقيّم العلاقات الدولية انطلاقًا من المصالح الأمريكية المباشرة والملموسة.
وقد جادل نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس مرارًا بأن الولايات المتحدة أنفقت، على مدى عقود، تريليونات الدولارات في صراعات الشرق الأوسط، في وقت أهملت فيه تحديات جيوسياسية أكثر إلحاحًا بالنسبة للمصالح الأمريكية.
يفترض أي تفاهم دبلوماسي محتمل بين واشنطن وطهران، ولو بصورة غير مباشرة، الاعتراف بإيران بوصفها فاعلًا إقليميًا رئيسيًا ينبغي أخذ مصالحه في الاعتبار، بدلًا من تبني سياسة تقوم على عزله أو إقصائه بالكامل.
وفي حال تراجعت حدة التوتر مع إيران، فقد تخسر إسرائيل إحدى أهم الركائز التي استندت إليها لعقود في تبرير استمرار حصولها على دعم عسكري وسياسي واسع وغير مشروط من الولايات المتحدة وحلفائها.
يتمثل أحد أبرز التداعيات المحتملة لنهج ترامب–فانس في انتقال الدعم الأمريكي لإسرائيل من مرحلة الالتزام شبه المطلق إلى مرحلة أكثر ارتباطًا بالشروط والمصالح.
فبدلًا من تقديم المساعدات العسكرية والمالية بصورة تلقائية، قد يصبح استمرار هذا الدعم مستقبلًا مرتبطًا بمدى توافق السياسات الإسرائيلية مع الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة.
أكد جيه دي فانس مؤخرًا أن جزءًا كبيرًا من الأنظمة الدفاعية التي تحمي إسرائيل صُنع في الولايات المتحدة ومُوِّل من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين.
وأضاف أن الرئيس ترامب لا يزال أقوى داعم لإسرائيل على الساحة الدولية، لكنه حذر المسؤولين الإسرائيليين من اعتبار واشنطن العقبة الرئيسية أمام تحقيق أهدافهم.
وتعكس هذه التصريحات تحولًا ملحوظًا في الخطاب الأمريكي، إذ لم يعد النقاش يقتصر على حجم الدعم المقدم لإسرائيل، بل امتد إلى طبيعة هذا الدعم وحدوده والالتزامات التي ينبغي أن يقابلها من الجانب الإسرائيلي.
تقدم الولايات المتحدة حاليًا لإسرائيل نحو 3.8 مليار دولار سنويًا في صورة مساعدات عسكرية. ومنذ الحرب العالمية الثانية، حصلت إسرائيل على ما يقدر بنحو 158 مليار دولار من الدعم الأمريكي التراكمي، بعد احتساب التضخم.
كما تشير أبحاث استشهدت بها مراكز سياسات أمريكية إلى أن واشنطن قدمت ما لا يقل عن 21.7 مليار دولار من المساعدات العسكرية المرتبطة بالعمليات الإسرائيلية منذ هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.
ويرى محللون أن قدرة إسرائيل على مواصلة عمليات عسكرية واسعة وطويلة الأمد تعتمد بدرجة كبيرة على استمرار الدعم الأمريكي، سواء في صورة أسلحة متطورة، أو ذخائر، أو تعاون استخباراتي، أو مساعدات لوجستية.
لا تعني التوترات الراهنة بالضرورة انهيار التحالف الأمريكي الإسرائيلي، فما تزال الروابط الاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية والثقافية بين البلدين واسعة وعميقة الجذور. ومع ذلك، تبدو العلاقة وكأنها تدخل مرحلة مختلفة عن النموذج الذي ساد خلال العقود الماضية.
فالنموذج التقليدي القائم على الدعم الأمريكي غير المشروط يتعرض بصورة متزايدة لاختبار حقيقي، في ظل صعود مقاربة أكثر براغماتية ترتكز على حسابات المصالح، وتستند إلى عقيدة «أمريكا أولًا» التي تتبناها إدارة الرئيس دونالد ترامب.
وفي الوقت نفسه، يسهم تنامي التشكيك في جدوى الانخراط الأمريكي في الصراعات الخارجية، داخل قطاعات من المجتمع الأمريكي وبعض دوائر صنع القرار، في إعادة تشكيل البيئة الداخلية التي تُصاغ في إطارها السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.
ولم يعد السؤال الرئيسي يتمثل في ما إذا كانت الولايات المتحدة ستواصل دعم إسرائيل، بل أصبح يدور حول طبيعة هذا الدعم، والشروط التي قد تحكمه، والكلفة التي يمكن أن تتحملها واشنطن مقابل استمراره، وإلى أي مدى سيظل دعمًا تلقائيًا وغير مشروط.
وبالنسبة لإسرائيل، فإن احتمال بروز إدارة أمريكية تمنح الأولوية لمرونتها الاستراتيجية ولمصالحها الوطنية على حساب الالتزامات التقليدية تجاه الحلفاء قد يمثل أحد أبرز التحديات الجيوسياسية التي تواجهها منذ عقود.
وفي حال استمر هذا التحول، فقد تشهد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية إعادة اصطفاف استراتيجية طويلة الأمد، من شأنها أن تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط، وأن تؤثر في طبيعة التحالفات الإقليمية خلال السنوات المقبلة.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير