
لا يزال المؤرخ الروسي-الإسرائيلي اليهودي المناهض للصهيونية أرتيوم كيربيتشينوك، رئيس قسم الدراسات السلافية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، في قبضة جهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك”، بعد اعتقاله في الثاني من شهر أغسطس (آب) الماضي، في مطار بن غوريون فور وصوله إلى هناك من العاصمة الأرمينية يرفان، وذلك بسبب حظر تل أبيب رحلات شركة الطيران الروسية “إيروفلوت” الجوية من روسيا إلى إسرائيل.
وكان المجلس الرئاسي الروسي للمجتمع المدني وحقوق الإنسان، قد طالب الأمم المتحدة بتوجيه خطاب إلى السلطات الإسرائيلية لتوضيح أسباب احتجاز كيربيتشينوك.
وذكر المجلس التابع للكرملين في رسالته أن “الشاباك”، “جهاز يتولى عادة في إسرائيل شبهات ارتكاب جرائم ضد أمن الدولة. وهذا يترك انطباعا بأن الاعتقال كان بسبب آرائه السياسية. ما يُعَدُّ انتهاكا فاضحًا للحق في حرية التعبير”.
وطالب المجلس بتوفير رعاية طبية مؤهلة له، ولا سيما أن “حالته الصحية تثير قلقًا بالغًا، فهو يعاني من ارتفاع ضغط الدم مع خطر انفصال شبكية العين، الأمر الذي يتطلب إشرافاً طبياً مستمراً”.
أما محاميته الوحيدة إينا ليد، التي سُمح لها برؤيته من وراء الزجاج، فقط بعد عشرة أيام من اعتقاله، فطلبت السماح لطبيب نفساني بمعاينته، لأنه يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب. وذكرت أن يديه كانتا مقيدتين خلف ظهره، ومكبلتين بالأغلال، وأن رجليه قرنتا في الأصفاد، وأن كرات ثقيلة وضعت على كل قيد.
وطلبت تغيير إجراءات الاعتقال الاحترازية إلى الإقامة الجبرية. وقد رفض “الشاباك” تلبية طلبها.
هذا، ووفقًا لما كتبته النائبة الروسية السابقة داريا ميتينا في مجلس النواب الروسي “الدوما”، نقلًا عن المحامية، فإنه خضع، في زنزانة مجهزة بضوء ساطع ومستديم، لاستجوابات طويلة أجراها ثلاثة محققين أو أربعة، بلغت مدتها 18 ساعة على الأقل، مصحوبة بضغوط نفسية ومنعٍ من النوم وتهديدات بالسجن المؤبد وبالترحيل إلى أوكرانيا.
وبعد ثلاثة أسابيع فقط، سمحت السلطات الإسرائيلية لصحيفة “هآرتس” بنشر بعض التفاصيل عن احتجازه، الذي جرى تمديده عدة مرات من دون إصدار لائحة اتهام بحقه.
ووفقًا لما نقلته الصحيفة، عن المحققين الإسرائيليين، فإن “ضباط استخبارات أجانب كانوا يوجهونه”. وإنه “كان متورطاً في أنشطة نفوذ أجنبية”.
ولعل ذلك كان تلميحًا إلى الزيارتين، التي قام بهما كيربيتشينوك إلى إيران، وكانت أولاها في خريف سنة 2018، حيث أمضى مدة أسبوعين، ووثق تفاصيلها على حساباته في وسائل الاتصال الاجتماعي، والثانية في سنة 2022.
غير أن محاميته في حديثها مع “هآرتس”، قالت إن كيربيتشينوك “لم تكن لديه إمكانية للحصول على أي معلومات متعلقة بأمن إسرائيل أو معلومات أخرى مرتبطة بها”. مؤكدة أنه “لم يلحق أي ضرر بأمن الدولة، ولم يكن يستطيع ذلك”.
يجب القول إن السفر إلى إيران محظور على المواطنين الإسرائيليين، ويعاقَب عليه بالسجن لمدة تصل إلى أربع سنوات، ومع ذلك فإن كيربيتشينوك زار إسرائيل بعد ذلك عدة مرات من دون أي عوائق، ولم تُتخذ ضده أي إجراءات قانونية آنذاك.
وفي هذا الإطار، يرى أصدقاؤه أن التهم الموجهة إليه والمرتبطة بإيران هي غطاء سياسي لاعتقاله بسبب كتاباته وآرائه وانتقاداته الشديدة، التي يوجهها إلى إسرائيل.
ففي أعقاب زيارتيه لإيران، كتب كيربيتشينوك أن “بنيامين نتنياهو يدعو المجتمع الدولي باستمرار إلى شن حرب ضد إيران”.
وأضاف “بما أنني مواطن إسرائيلي، كان يهمني أن أرى أين تسقط قذائفنا، وأن أخبر أبناء بلدي بمعلومات عن الحياة اليومية في هذه الدولة، التي تبدو للإسرائيليين غريبة أكثر مما كان يبدو الاتحاد السوفياتي للأميركيين في خمسينيات القرن الماضي”.
وفي سنة 2023 مثلا، نشرت وكالة “ريا نوفوستي” الروسية تصريحات لكيربيتشينوك انتقد فيها ما وصفه بـ “المعايير المزدوجة” التي يعتمدها الغرب في التعامل مع الحرب الروسية-الأوكرانية من جهة، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي من جهة أخرى. مؤكدًا أن المدنيين الفلسطينيين يتعرضون لعمليات قصف وقتل واسعة النطاق”.
من جانبه، يشير صديقه المفكر الروسي-الإسرائيلي المناهض للصهيونية إسرائيل شامير إلى أن “الشاباك” يتهم كيربيتشينوك بالتجسس لمصلحة روسيا، انطلاقا من أنه ولد في روسيا.
جدير بالذكر أن كيربيتشينوك يكتب مقالات في صحيفة “فيدوموستي” الروسية الرائدة في مجال الأعمال، ولموقع قناة “تي آر تي” التركية الرسمية باللغة الروسية، وفي صحيفة “كولتورا” الثقافية الفيدرالية الروسية. كما يشارك بانتظام بصفة خبير في منصات اجتماعية وسياسية روسية وأجنبية، منها الصحيفة الإلكترونية “سفوبودنايا بريسا”، وصحيفة “مترو” الموسكوفية، وبوابة “كاليبر.آز” المعلوماتية الأذربيجانية، وموقع “أوكراينا.رو” الإلكتروني الروسي.
وصدرت له كتب عديدة، منها كتابه الأخير “إسرائيل: الطريق إلى الكارثة”، الذي صدر في سنة 2024، والذي تناول كيربيتشينوك فيه جذور الصراع العربي الإسرائيلي، إضافة إلى تحليل بنية المجتمع الإسرائيلي والمشروع الصهيوني، حيث وصف إسرائيل بأنها “المعقل الأخير للاستعمار الغربي”، وأكد أنها دولة تسير إلى الانهيار.
وهنا ينبغي التذكير بمصير مغاير لمؤرخ إسرائيلي آخر، هو إيلان بابيه. وهو مؤلف كتاب “إسرائيل على حافة الهاوية”، ويشبه في آرائه أرتيوم كيربيتشينوك. وكان من قبل أستاذا محاضرا في جامعة القدس العبرية أيضًا. وعلى الرغم من التضييق، الذي مورس عليه بسبب آرائه في عامي 2025 و2026، فإنه استطاع الهجرة في سنة 2027 إلى المملكة المتحدة، حيث يقيم آمنًا مع زوجته وابنيه، ويعمل أستاذًا في جامعة إكستر البريطانية.
غير أن الأمر مختلف بالنسبة إلى المواطن الروسي كيربيتشينوك. فبعد بدء روسيا عمليتها العسكرية الخاصة في أوكرانيا في سنة 2022، بدأت إسرائيل بالتخلي شيئًا فشيئًا عن شراكتها الاستراتيجية مع روسيا، وأصبحت تتخذ مواقف متأرجحة إزاء موسكو، بما في ذلك انضمامها إلى العقوبات الغربية على روسيا، ومنع طائرات “إيروفلوت” الروسية من الهبوط في مطار بن غوريون، ما جعل العلاقات الوثيقة بين نتنياهو، الذي زار روسيا 15 مرة، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين تتقلقل.
ولذا، فإن موسكو من جانبها، رفضت قبول طلب من شركة “إل عال” الإسرائيلية للطيران في اليوم التالي لاعتقال كيربيتشينوك للسماح لها بتسيير رحلات جوية من تل أبيب إلى مدينة سانكت بطرسبورغ الروسية، وذلك ردًا على منع “إيروفلوت” من الهبوط في مطار بن غوريون.
قد يكون ذلك مصادفة. ولكن السياسة لا تعترف بالمصادفات، بما في ذلك إبقاء كيربيتشينوك قيد الاعتقال حتى الآن وتعذيبه في زمن صعود اليمين المتطرف في إسرائيل.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير