
في الذكرى الرابعة لإعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فجر يوم 24 فبراير (شباط) 2022 قراره الخطير بخوض ما سمَّاه بالعملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا، في خطاب تليفزيوني طويل بدا كدرس في التاريخ والجغرافيا السياسية، أصدرت الخارجية الروسية فجر الثلاثاء 24 فبراير (شباط) 2026، بواسطة المتحدثة باسمها ماريا زاخاروفا، بيانًا مطولًا أعادت فيه صياغة الرواية الروسية الرسمية للحرب وأسباب إشعالها.
البيان جاء في صيغة محاولة منهجية تهدف إلى تثبيت الإطار القانوني والسياسي والأيديولوجي الذي تقوم عليه شرعية القرار الروسي للحرب داخليًّا وخارجيًّا، فضلًا عن كونه تذكيرًا تاريخيًّا بأسبابها وفق سردية الكرملين.
بدأ بيان الخارجية من نقطة ثابتة في خطاب الشرعية الروسية، بأن هذه العملية العسكرية الممتدة لأربع سنوات، مع كل مع خلفته من كُلف، تُنَفذ بموجب قرار القائد الأعلى للقوات المسلحة، المستند إلى الدستور الروسي والمادة الـ51 من ميثاق الأمم المتحدة، أي ” حق الدفاع الفردي والجماعي عن النفس”.
المتحدثة باسم الخارجية حرصت على تكرار ذكر المادة الـ51 من الميثاق الأممي أكثر من مرة في متن البيان، وهو ما يمكن فهمه على أنه سعي مقصود إلى تأطير الحرب أنها جاءت كاستجابة روسية لتهديد مباشر، ولم تكن عملًا هجوميًّا بادرت موسكو بشنه على دولة جارة وشقيقة.
فأهداف العملية الرئيسة -إذا عدنا إلى خطاب بوتين الطويل فجر 22 فبراير (شباط)- كانت حماية سكان الدونباس الناطقين بالروسية، وإزالة التهديدات، ونزع سلاح أوكرانيا، واجتثاث النازية الجديدة التي باتت تنخر في عظام هذه الجارة.
بوتين شدد حينذاك على أنه اتخذ القرار بعد صبر ثماني سنوات حاولت موسكو خلالها تسوية نزاع الدونباس سياسيًّا. وهنا يتحدث بيان الخارجية بوضوح، ليس باعتباره تذكيرًا تاريخيًّا فحسب للأسباب والملابسات، ولكنه يعيد مجددًا ترسيم شروط المعنى، معنى الحرب، وما الذي كان السبب فيها، وما الذي تقبل به روسيا سلامًا عادلًا لإنهائها.
والمسألة التي نحن بصددها اليوم ليست في مدى اتساق هذه السردية الروسية من عدمه، ولكن في مدى قدرتها على الصمود أمام الأرقام التي لدينا بعد أربع سنوات يتكرر خلالها الخطاب نفسه على نحو شبه يومي، فضلًا عن تحوله من خطاب تعبوي صرف خلال السنوات الثلاث الأولى إلى إطار تفاوضي قابل للقياس خلال العام الرابع عندما عاد ترمب إلى البيت الأبيض مجددًا على صخب قدرته إنهاء الصراع في يوم واحد.
بعد أربع سنوات وما تراكم لدينا من بيانات ومعلومات ومعطيات، تتضح نقاط قوة ونقاط ضعف في سردية موسكو والكرملين وبوتين، عكسها بوضوح بيان وزارة الخارجية الذي انطلقنا منه في كتابة هذه السطور.
وإذا طرحنا السؤال التالي: أين تبدو السردية قوية؟
فإن الرد الموضوعي يشمل عدة نقاط؛ أولاها هي نجاح الكرملين في تأطير الحرب على أنها أزمة أمن أوروبي، وليست حادثًا حدوديًّا مع دولة جارة، فموسكو تربط الحرب بتوسع الناتو، وعسكرة أوكرانيا لاستخدامها أداةً في يد الناتو لضرب روسيا. وهذا التأطير نجحت موسكو في تسويقه إلى أغلب دول العالم وأقاليمه، خصوصًا ما بات يعرف بالجنوب العالمي أو الأكثرية الدولية، باستثناء عالم الغرب بالطبع، قبل أن يعود ترمب طبعًا إلى الحكم؛ لأنه يؤمن بهذه السردية، وهو الأمر الموثق في تصريحاته العلنية المكررة ذات الصلة.
وهذا الإطار الروسي اكتسب قوة سياسية من واقعة موثقة حدثت بعد اندلاع المرحلة الساخنة من الصراع، وأٌقصد ضم فنلندا إلى الناتو في 4 أبريل (نيسان) 2023، ثم السويد في 7 مارس (آذار) 2024، وهو ما غيّر الخريطة الأمنية لشمال أوروبا تمامًا، ومنح بوتين الحق للتمسك بسرديته والتحدث بها إلى شي جين بينغ، وناريندرا مودي، وغيرهما من قادة الأكثرية العالمية.
صحيح أن روسيا تستغل هذا التطور بوصفه دليلًا على صحة التحذيرات التي ما فتئ بوتين يطلقها من مسار التوسع الناتوي، وذلك منذ خطابه الناري في مؤتمر ميونخ للأمن عام 2007، الذي يصنف بالخطاب التاريخي في الأدبيات الجيوبوليتيكية الروسية، والغربية كذلك؛ لأنه رسم بوضوح حينذاك حدود العلاقة بين روسيا والغرب ومعالمها، لكنه -أي تطور ضم فنلندا والسويد- يطرح في الوقت نفسه سؤالًا مضادًا: إذا أطلقت الحرب لوقف التوسع، فهل أدت إلى تقليص هذا التوسع أم إلى تسريعه؟ وهنا تبدو سردية الكرملين وبوتين قوية في التشخيص نعم، لكنها تواجه مفارقة في النتائج، على الأقل حتى الآن.
ثانيًا: محاولة تثبيت فكرة الأسباب الجذرية وضرورة إزالتها كشرط للسلام، فبيان الخارجية الروسية يؤكد مجددًا أن السلام الدائم ممكن فقط على أساس إزالة هذه الأسباب. وهذه الصياغة تمنح الحرب معنى إستراتيجيًّا يتجاوز مسألة وقف إطلاق النار التي يطالب به الطرف الآخر، ومن يقف وراءه.
كما أنها -أي الصياغة- تعزز صلابة الموقف الرسمي داخليًّا أمام المجتمع، وتؤجل سؤال “إلى متى؟”، وتؤدي -فضلًا عن ذلك- دورًا مهمًّا في مخاطبة الخارج بأن تقول إنه على الرغم من سنوات أربع من الاستنزاف فإن موسكو لا تزال ترفع سقف التفاوض؛ لأنها تبقى تعريف الأسباب واسعًا ومتحركًا.
ما أقصده أن ما تذكره موسكو كأسباب يجب إزالتها، مثل الضمانات الأمنية بعدم توسع الناتو، بل عودته إلى وضعية ما قبل 1997، ووضع أوكرانيا العسكري، بمعنى نزع سلاحها، وهو المعنى المجرد الصعب القياس، فضلًا عن هندسة الوضع الإقليمي، والمقصود به الأراضي التي ستؤول لروسيا إلى الأبد.
ثالثًا: خطاب النظام الدولي القائم على القواعد، وهي الصياغة التي كان الغرب يفضلها ويلوكها كالعلكة في الفم خلال السنوات الماضية؛ فالبيان الروسي وضع الحرب في أوكرانيا في سياق مواجهة أوسع مع الهيمنة الغربية التي يحاول الأوروبيون وصقور الأمريكان الحفاظ عليها، مهما كان الثمن الذي يتحمله الآخرون.
ووضع الحرب في هذا السياق يمنح السردية الروسية قابلية الانتشار في كل البيئات غير الغربية والمعادية للغرب، خصوصًا التي تستدعي هذه السردية في عقولهم ذاكرة الاستعمار والمعايير المزدوجة، وما يحدث هذه الأيام مع إيران خير شاهد ودليل على صواب سردية الكرملين وبوتين وصحتها.
وبالطبع، للأمانة العلمية نقول إن قوة هذا الخطاب ليست قانونية، على الرغم من احتوائها على شق قانوني، لكن قوته هي في الرمزية السياسية.
ومع كل نقاط القوة التي سردتها أعلاه، فإن السردية البوتينية تعاني ثغرات، وهي أيضًا جديرة بتسليط الضوء عليها.
وأولاها -في رأيي- الأرقام؛ فالأرقام، إذا استطعنا بالطبع التحقق من صحتها، وهو الأمر الصعب جدًّا، تكون أفضل المتحدثين. تستند السردية الروسية إلى أن سكان الدونباس الناطقين بالروسية سقط منهم 13.5 ألف قتيل ضحية خلال الفترة من 2014 حتى لحظة انطلاق الحرب في 2022، لكن تقارير الأمم المتحدة تميز بين إجمالي ضحايا النزاع، مدنيين ومقاتلين، وبين المدنيين حصرًا. وبناء على ذلك تظهر تقارير حقوق الانسان الأممية حتى ربيع 2021 أرقامًا أقل بكثير من الإجمالي الذي يُتداول سياسيًّا. والفجوة هنا ليست في مسألة وجود الضحايا من عدمه، فهو واقع لا جدال فيه، ولكن في كيفية عرض الرقم، وماذا يشمل، خصوصًا أنك تعرضه في ساحة دولية تعتمد التفكيك المنهجي، وهذا التفصيل يؤثر في مسألة الاقناع.
الثغرة الثانية: هي الكلفة الإنسانية منذ 24 فبراير (شباط) 2022، فحتى مع اعتراض موسكو على منهجيات التوثيق الغربية، وهي محقة في التشكيك، لكن مع ذلك -وللموضوعية- نذكر الرقم الأممي الثقيل للقتلى المدنيين، فمكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان يقول إنه وثّق أكثر من 15 ألف قتيل مدني أوكراني، وأكثر من 41 ألف جريح مدني في عموم أوكرانيا منذ 24 فبراير (شباط) 2024 حتى آخر تحديثات فبراير (شباط) 2026 الجاري، مع الإشارة إلى أن الأرقام الفعلية قد تكون أعلى.
وأنا أورد هذه الأرقام بوصفها ثغرة؛ لأنها تصعب أي محاولة لحصر الحرب في “إزالة تهديد” كما تصر السردية الروسية، وذلك دون الاعتراف بأن الكلفة الإنسانية أصبحت جزءًا من تعريف الأزمة والإقرار بذلك؛ لتجنب انتقادات لا حاجة إليها.
الثغرة الثالثة: أشرت في بداية المقال أن المتحدثة باسم الخارجية كانت حريصة على تكرار ذكر المادة الـ51 من ميثاق الأمم المتحدة في البيان، والاستناد إليها، خصوصًا أنها تؤسس للحق في الدفاع عن النفس، وهذا بالطبع يمنح السردية الروسية سندًا قانونيًّا، غير أن الإشكالية أنها نعم تقدم قوة نصية، لكنها تخلق أيضًا في الوقت نفسه إشكال إثبات.
ما أقصده أنه في القانون الدولي -حسبما فهمت من تعليقات أهل الاختصاص- المسألة أو المشكلة ليست في وجود المادة نفسها؛ بل في تحقق شروطها، وهي هجوم مسلح وشيك أو واقع، وضرورة وتناسب؛ ومن ثم، انطلاقًا من تفسير هذه المادة نفسها من ميثاق الأمم المتحدة، وما تنص عليه، يبني خصوم موسكو حجتهم على أن هذه الشروط غير متحققة في حالة أوكرانيا. وبناء عليه، فإن الفجوة هنا تصبح إثباتية لا خطابية.
الثغرة الرابعة: هدفان من أهداف العملية العسكرية، أعلنهما بوتين فجر 24 فبراير (شباط) 2022، وأكد بيان الخارجية مجددًا ضرورة تحققهما، وهما نزع سلاح أوكرانيا، واجتثاث النازية، وإشكاليتهما في كونهما عبارة عن مفاهيم بلا معيار قياس، بمعنى أن المصطلحين فاعلان بالفعل بوصفهما خطابًا تعبويًّا، ولكن عندما ننتقل إلى مسار التفاوض من أجل حل الصراع يتحولان إلى مصطلحين فضفاضين، بمعنى كيف نقيس أنهما تحققا لموسكو؟
فبعد مرور أربع سنوات، لا يوجد تعريف عملياتي متفق عليه، أو مؤشرات إنجاز قابلة للقياس. وغياب معيار النهاية الواضح يجعل الشروط مفتوحة.
عنصر آخر مهم من عناصر السردية الروسية، وهو مسألة ضرورة الاعتراف بالوقائع الجديدة على الأرض. وهذا العنصر يمثل مأزقًا؛ فالسردية الروسية تميل إلى أن الواقع الميداني يصنع الشرعية، بمعنى أن موسكو اعتادت استخدام الأرقام في بيانات الدفاع اليومية عن سير العمليات القتالية كلغة سياسية بالقدر نفسه الذي تستخدمه بها كلغة عسكرية.
نقطة أخرى مهمة تطرحها السردية الروسية -من وجهة نظري- وهي مسألة اليوم التالي. ما أقصده، ماذا تقول لنا السردية عن اليوم التالي لانتهاء الحرب؟ فهي لا بد سوف تنتهي يومًا ما.
ضمنيًّا، تطرح السردية ثلاثة خطوط عريضة، أهمها أنه لا عودة سياسية إلى ما قبل فبراير (شباط) 2022، وثانيًا: أن التسوية -إن حدثت- ستكون مرحلية، وتفاهمات جزئية لا صفقة واحدة، على عكس المتصور، وثالثًا: السلام في اعتقاد موسكو والكرملين ليس وقف إطلاق نار؛ ولكن إعادة هندسة البيئة الأمنية الأوروبية بين روسيا والناتو.
بالطبع هذه الصلابة تمنح موسكو اتساقًا في موقفها وبياناتها وسرديتها، لكنها في الوقت نفسه ترفع سقف النهاية بحيث يبدو أي اتفاق واقعي محتمل ناقصًا.
لكن كيف يمكن لموسكو أن تقوي سرديتها وتعززها إذا أرادت تحقيق إقناع أوسع؟
أعتقد أن عليها –بدايةً- تفكيك الأرقام بمنهجية شفافة، دون أن تخشى ذلك، خصوصًا في ضوء ما فعلته إسرائيل بغزة وسكانها، بمعنى أن عليها فصل المدنيين عن المقاتلين في أرقام ما قبل 2022، مع تقديم إحالات دقيقة لذلك.
ثانيًا: ينبغي للقانونيين الروس صياغة وتقديم تعريف قابل للقياس لمصطلحات النهاية، بمعنى: ما معيار نزع السلاح عمليًّا؟ أي ماذا يقصد الكرملين بذلك بدقة؟ وما مؤشرات الإنجاز التي يقبل بها بوتين؟
وفي الختام يمكن القول إن السردية الروسية بالمجمل هي سردية متماسكة ومتصلة برؤية أوسع، وهذا يفهمه بوضوح كل مراقب موضوعي يتعامل مع هذه الحرب وأسبابها الحقيقية، وما يدور حولها، ومآلاتها المحتملة، بعيدًا عن العاطفة والغائية، أو انصياعًا وراء مصالح أو إملاءات، لكنها مع ذلك تواجه معركة أرقام وشرعية لا تحسم بالبيانات البليغة، أو الخطابات الحماسية الرنانة.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير