نظرة تقييمية عامة لاقتصاد لاتڤيا

جلبت السنوات العشرون الأخيرة من الاستقلال إلى لاتڤيا نموًا اقتصاديًّا مطردًا قائمًا على التقاليد الغربية للديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق. وتضاعف ازدهار المجتمع اللاتڤي ثلاث مرات بين عامي 1993 و2013. منذ أواخر التسعينيات حتى الأزمة المالية العالمية عام 2008، نما الاقتصاد اللاتڤي بمتوسط سرعة سنوي يتراوح بين (7٪) و (8٪)، وهذا إنجاز مذهل لبلد صغير محدود الأيدي العاملة.

الاقتصاد في لاتڤيا

خلال رحلة النمو، تعرض اقتصاد لاتڤيا لحلقات من الركود المتكرر والتباطؤ، حيث شهدت الانهيار الاقتصادي الأول في أوائل التسعينيات (انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنحو 49٪) بسبب تفكك الاتحاد السوڤيتي، وتحول لاتڤيا من اقتصاد موجه على النمط السوڤيتي مع طاقة إنتاجية زائدة زيادة كبيرة (اعتادت لاتڤيا أن تكون موقعًا صناعيًّا ضخمًا للإمدادات إلى الاتحاد السوڤيتي بكامله) إلى اقتصاد صغير قائم على السوق. وحدثت كارثة أخرى عام 1995، عندما تلاشت (53٪) من الودائع بسبب أزمة مصرفية، ثم مرة أخرى عام 1998، عندما تحطمت صادرات لاتڤيا الشرقية بسبب الأزمة المالية الروسية؛ مما تسبب في انخفاض كبير في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي (من 9.6٪ في 1997 إلى 2.9٪ في 1999)، ثم الأزمة المالية العالمية (2008-2010) التي هبطت بمؤشرات الناتج المحلي بنسبة (18٪)، ومؤخرًا أزمة إغلاق جائحة كوفيد- 19 التي رفعت الدين الحكومي إلى نسبة (43.5٪) من الناتج المحلي الإجمالي، أي أقل هامشيًّا من الانهيار المالي السابق الذي بلغت فيه نسبة الدين الحكومي (43.7٪) من الناتج المحلي الإجمالي.

سبقت أزمة إغلاق جائحة كوفيد- 19 فترة من التعافي الاقتصادي في لاتڤيا بعد عام 2008، حيث بلغت نسبة النمو في المتوسط (5.5٪) سنويًّا، وكان هذا التعافي مدفوعًا بفائض في التمويل الأجنبي الخارجي تمثّل في: “الاستثمار الأجنبي المباشر، والائتمان الأجنبي للشركات والمؤسسات المالية، وتمويل الاتحاد الأوروبي، وكذلك تحويلات العمالة”. وشهدت لاتڤيا زيادة في الاستهلاك وبناء المساكن، حيث تضاعف متوسط مستوى الأجور وأسعار العقارات ثلاث مرات. ورافق الاستهلاك المحلي زيادة في المديونية الخارجية من (80٪) عام 2003 إلى (125.7٪) عام 2020)[1]، كان المساهم الرئيسي فيها هو التوسع السريع في عجز الحساب الجاري من (5٪) عام 2000 إلى (25٪) منتصف عام 2007.

الاستثمار في لاتڤيا

يشير توسع المركز الاستثماري في لاتڤيا، والاعتماد على التمويل الأجنبي، إلى خطر مُحدق من حدوث تحول مفاجئ في رغبات المستثمرين، وقد أدت فترة الأزمة المالية العالمية بين عامي 2008 و2010 إلى القضاء على ربع اقتصاد لاتڤيا، ورفع معدل البطالة إلى (21 ٪)، وتأثرت (56٪) من الأسر في لاتڤيا بالأزمة المالية، مقارنة بـ (52٪) في ليتوانيا و(50٪) في إستونيا. فالمُشكلة في اقتصاد لاتڤيا مزيج من التحديات المالية والنقدية والهيكلية. بعبارة أخرى، أي عاصفة مالية قد تعني انهيارًا ماليًّا واقتصاديًّا كاملا، وقد انتهت الحكومة مِن برنامج إنعاش اقتصادي في يناير (كانون الأول) 2012، فرضت فيه شروطًا صارمة لتعديل اقتصادي حاد، وتمت مكافأتها على هذه الإصلاحات بالانضمام إلى منطقة اليورو عام 2014.

على الرغم من هذه الأخبار السارة، لا يسير كل شيء بالضرورة على أنه يمضي في الاتجاه الصحيح في لاتڤيا. وينبع التحدي الأكثر خطورة من التدهور الديموغرافي، وهجرة الأيدي العاملة، حيث أصبح اقتصاد لاتڤيا أصغر وأصغر من حيث الأشخاص النشطون اقتصاديًا. والمشكلة الأخرى ذات الصلة مرتبطة بنقص الوظائف ذات الأجر الجيد المتاحة في السوق المحلية. كما يتركز في ريغا، عاصمة لاتڤيا، نحو (50٪) من اقتصاد البلاد، وكذلك في بعض المراكز الإقليمية، مثل ڨالميرا. ولا تزال المناطق الأخرى تُعاني ندرة النشاط الاقتصادي والوظائف والدخل، هذا إلى جانب استمرار عدم المساواة، والفقر، والنشاط الاقتصادي غير المسجل الذي لا يقلل فقط من فرص النمو الاقتصادي؛ بل يضر أيضًا بالعلاقات الاجتماعية بين الناس، ويقلل الثقة بالحكومة، وهو أمر ضروري لتحقيق نمو مرتفع ومستدام.

وأدى الاندماج في السوق الأوروبية والتحسينات في الإطار المؤسسي والقانوني إلى زيادة الاستثمار في منطقة البلطيق عمومًا. فانخفاض الضرائب، والعمالة الرخيصة والمؤهلة، والأصول المحلية غير المكلفة، والاستهلاك المحلي غير المُشبَع، واحتمال معادلة الدخل مع دول أوروبا الغربية، وفرت فرصًا كبيرة للاستثمار. ومع ذلك، تحول الاستثمار إلى توقعات تؤدي- في النهاية- إلى المبالغة في الأسعار، والانهيارات المالية (على سبيل المثال، يؤدي توقع أسعار الأصول إلى زيادة الاهتمام بشراء هذه الأصول، في حين أن أسعارها منخفضة، ولكن هذا يؤدي أيضًا إلى رفع تلك الأسعار). وتمثل لاتڤيا حالة متطرفة لهذه السياسات. ومن أجل فهم أسباب الاختلالات التنموية التي نادرًا ما تُرى في لاتڤيا، هناك حاجة إلى بعض الأفكار عن سلوك المستثمرين الأجانب، وديناميكيات السوق المحلية، وأداء الصناعات التحويلية والتصدير، وفحص تأثير السياسات المالية.

تبنت حكومة لاتڤيا إجراءات استقرار نقدي قاسية بهدف خفض التضخم، وجعل العملة الوطنية الجديدة قابلة للتحويل بحرية. وخصخصت الأصول العامة، وحررت جميع الحسابات المالية، وفتحت التجارة مع الدول الغربية. واعتمدت أيضًا عددًا من السياسات التي تستهدف جذب الاستثمار الأجنبي، مثل: ضريبة صفرية على أرباح رأس المال، وتخفيضات على ضريبة دخل الشركات المطبقة على الشركات ذات الاستثمار الأجنبي المباشر. ومع ذلك، على الرغم من هذه التدابير، كان أداء جذب الاستثمار في لاتڤيا أقل فعالية بكثير من أداء إستونيا.

يُزعم أن جزءًا كبيرًا من الاستثمار الأجنبي في لاتڤيا من أصل محلي، حيث نقلت الشركات المحلية أرباحها إلى المناطق الخارجية، وأعادتها كاستثمار أجنبي؛ بهدف الاستفادة من المعاملة المفيدة الممنوحة للمستثمرين الأجانب. وبدأ موقف المستثمرين الأجانب يتغير عام 1998، وهو العام الذي دُعيت فيه لاتڤيا إلى بدء مفاوضات الانضمام مع الاتحاد الأوروبي؛ عندئذ فقط رأت لاتڤيا أول المشروعات الكبيرة التي يقودها الاستثمار الأجنبي: “أنشأت البنوك الأجنبية (الإسكندنافية في الغالب) وسلاسل البيع بالتجزئة شركات تابعة لها في لاتڤيا”. وحدَّثت هذه البنوك والمتاجر الأجنبية القطاع المالي والتجزئة تحديثًا كبيرًا، ومع ذلك، لم تفعل سوى القليل لحل مشكلة لاتڨيا الدائمة المتمثلة في ضعف قاعدة الإنتاج، وعدم كفاية عدد الوظائف ذات القيمة المضافة العالية. ومنذ ذلك الحين لم يصل سوى جزء صغير من الاستثمار الأجنبي إلى التصنيع، مع توجه غالبية الاستثمار إلى القطاعات المالية والتجزئة.

في حالة لاتڤيا، كان المستثمرون مهتمين- في الغالب- باستغلال مستوى المديونية المنخفض بشكل خاص، والإمكانات العالية لنمو الدخل، ولم يكن لديهم اهتمام كبير ببناء المصانع. وتم تحويل الإقراض الأجنبي عن طريق البنوك وتجار التجزئة إلى قروض منزلية، وقروض تجارية، مع ترك الجهات الفاعلة المحلية تحمل مسؤولية النمو الاقتصادي. ومع ذلك، فإن السكان المحليين الذين لديهم قليل من الفهم للأخطار المخفية وراء اقتصاديات الديون، انخرطوا- عن طيب خاطر- في هذه اللعبة؛  لأن الوصول إلى ائتمان رخيص بالنسبة إليهم يعني مستويات معيشية أفضل، وجلب نعمة سماوية بعد صيام طويل الأمد.

عدد سكان لاتڤيا

نظرًا إلى عدد سكان لاتڤيا المحدود (مليونا شخص)، لم تكن سوق العمل حافزًا للاستثمار على نطاق عريض. باستثناء العاصمة ريغا، فإن المعروض من العمالة محدود، والأسباب الرئيسية لذلك هي الندرة في التوزيع، والتدهور الديموغرافي، والهجرة. ومع ذلك، في عام 2004، أعطى المستوى المنخفض للمديونية، واحتمال التقارب السريع في مستويات الدخل مع الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، جنبًا إلى جنب مع الوصول غير المقيد إلى أسواق دول البلطيق الأخرى، أعطى “مؤشر” إلى تنمية الاستهلاك المحلي، وأصبح النمو معتمدًا على الطلب المحلي، مدعومًا بالتوسع السريع المستمر في الائتمان، وتدفقات رأس المال الكبيرة، والارتفاع المستمر في أسعار الأصول، وأي تباطؤ أو انعكاس في التمويل الأجنبي سيضر بالاقتصاد بشدة. في الواقع، كانت لعبة “السوق المحلية” هذه غير مستدامة، وكان من المحتم أن تنهار عاجلاً أو آجلاً.

وتجدر الإشارة إلى أن السلطات العامة المسؤولة عن السياسات المالية والنقدية والاحترازية فشلت في إدراك الأخطار الوشيكة الناشئة عن اختلالات الاقتصاد الكلي، وفي اتخاذ تدابير مناسبة ومنسقة. كما تم التقليل من شأن تحذيرات الهيئات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي. وكان من المعتقد أن الاندماج داخل هياكل الاتحاد الأوروبي قد قلل من أخطار التوقف المفاجئ في تدفقات الاستثمار، وأن الاختلالات (ارتفاع عجز الحساب الجاري والديون الخارجية) ذات طبيعة مؤقتة، وهي سمة من سمات الاقتصادات الناشئة.

على الرغم من انخفاض معدل عدم المساواة انخفاضًا طفيفًا خلال الأزمات المتوالية على اقتصاد لاتڤيا، فإن الفقر اتسع؛ مما جعل الانقسامات الاجتماعية أكثر رسوخًا. كما أن مستوى الأجور لا يزال غير قادر على المنافسة على المستوى الإقليمي. ويبلغ متوسط الأجر أربعة أضعاف المتوسط الأوروبي. وفي الوقت نفسه، لا يزال مستوى البطالة مرتفعا بعناد، على الرغم من انخفاضه تدريجيًّا. تجاوز عدد الأشخاص المعرضين لخطر الفقر أو الاستبعاد الاجتماعي (40٪)، في حين يعاني (31٪) حرمانًا ماديًّا شديدًا، وأصبح اقتصاد الظل أيضًا أكثر انتشارًا- وفقًا لبعض التقديرات، يساوي ما يقرب من (40 ٪) من الناتج المحلي الإجمالي- وأصبح الوضع في الريف مؤلمًا بشكل خاص.

في الوقت الحالي، يبدو وضع الاقتصاد الكلي في لاتڤيا مستقرًا، ومدعومًا بفترة نمو متواصلة تبلغ نحو (4٪) إلى (5٪) سنويًّا. وفقًا للتوقعات، ويتوقع استمرار النمو بالوتيرة الثابتة نفسها بعد انتهاء أزمة كوفيد- 19، لكن هذا يبقى رهنًا بعوامل محددة، مثل التحسن في الأسواق الخارجية، ولا سيما في بلدان منطقة اليورو، وانتعاش الطلب الداخلي، وإفساح المجال للمنتجات ذات القيمة المضافة الأكبر، والمضي قُدمًا نحو اقتصاد تقني، ومن الصعب التنبؤ بالاتجاه الذي سيتطور فيه اقتصاد لاتڨيا حقًا، وهل يمكن أن يأخذ نفس الاتجاه كما بعد عام 2004، عندما أدت نشوة المستثمرين إلى إغراق السوق المحلية بالائتمان الرخيص، مع دورة أخرى من الانهاك. أو سيظل الاقتصاد متباطئًا فترة طويلة بسبب التراجع الديموغرافي والهجرة. في كلتا الحالتين، تنبع المشكلات من المستوى المنخفض لتقارب الدخل في لاتڨيا، ودورة التنمية غير المتكافئة مع الدول الأعضاء في منطقة اليورو الأساسية، مثل ألمانيا.

أخيرًا، واعتمادًا على مسار التنمية، قد تحتاج لاتڤيا إلى نهج نقدي أقوى، أو- على العكس من ذلك- أضعف. هذا شيء لا تستطيع منطقة اليورو توفيره؛ لذا ينبغي للمرء أن يتوقع أن السياسة النقدية ذات الحجم الواحد التي يتبناها البنك المركزي الأوروبي ستجبر لاتڤيا على الدخول في دورات تنمية أكثر حدة. وتكمن المشكلة في أن قدرة حكومة لاتڤيا على التدخل وتصحيح الاختلالات المتزايدة ستكون محدودة جدّا، كما إن منطقة اليورو لم توفر حتى الآن أدوات لمساعدة الحكومات على تسوية الاختلالات الاقتصادية الكلية بين اقتصادات منطقة اليورو.

[1] https://ar.tradingeconomics.com/latvia/external-debt